الحزب الجزائري من أجل الديمقراطية والاشتراكية إن هجوم الجماعات الظلامية في عين الدفلى، يعني العودة إلى التعاليم الإيديولوجية والسياسية

الثلاثاء 28 تموز (يوليو) 2015

أسفر هجوم يوم 17جويلية، عشية العيد، في منطقة عين الدفلى ضد أفراد من الجيش الوطني الشعبي الذي اقترفته الجماعات الإرهابية الظلامية عن استشهاد تسعة جنود، أبنا ء الشعب. ويبرز هذا الهجوم أن استمرار وجود هذه الجماعات الظلامية، سواء أكانت نشطة أو نائمة، لا ينبغي التقليل من شأنها بأية حال من الأحوال.
وفي هذا الصدد، ينحني حزبنا، الحزب الجزائري من أجل الديمقراطية والاشتراكية، لذكرى الجنود الذين سقطوا في المعركة ضد هذا الإرهاب الظلامي، كما يجدد إدانته للأعمال البربرية التي ترتكبها الجحافل الظلامية. وبهدف إحباط عملياتها الإجرامية، يدعو حزبنا إلى اليقظة والعمل المنظم، وإلى إعادة تكوين المجموعات الشعبية للدفاع الذاتي التي فككتها السلطة في هذه السنوات الأخيرة باسم سياسة الوفاق مع الإرهاب الظلامي.
لقد وجهت ضربات قوية إلى الظلامية المسلحة بعد محاولتها الوصول إلى السلطة خلال سنوات التسعينات بزرع الإرهاب الرعب في صفوف الجماهير الشعبية، حيث وجد نفسه معزولا عن الغالبية الساحقة من الشعب نتيجة مجازره الجماعية، ولكن نفوذه وقدراته الخطيرة لم تزل ولن تزول بسحر الخطابات حول “تربية جيدة” وإسلامية “وغير متطرفة”. لقد استخدم هذا الموضوع الجديد المزيف حكامنا في الدعاية التي توجهها الدول الإمبريالية. وبالنسبة إلى هذه الدول “فإن الجهاد الرديء” – الذي تستخدمه الإمبريالية بمهارة- هو الذي يقتل على أرضه، وهو “الجيد” الذي يحارب الأنظمة التي ترفض أن تنحني لإملاءاتها. وإن الهدف الوحيد من دعواتها إلى “عدم التطرف” هو توجيه الشبان المتأثرين والمنخدعين بالدعاية الظلامية نحو “أهداف جيدة”.
إن وجود مجموعات مسلحة ظلامية، متغلغلة في فئات واسعة من المجتمع الجزائري والمرتبطة برؤية متعصبة للإسلام، الذي يغذي بدوره انخراط أفراد متعصبين، هو مرتبط بعمل مفتوح أو مدعم بالعديد من القوى الاجتماعية الداخلية والخارجية التي تدافع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية المكتسبة من خلال استغلال العمال ونهب موارد البلاد.
إن سياسة المصالحة والحوار الرسمي مع زعماء الظلامية التي تتباهى بقتل الجنود الشبان، والحفاظ في صفوف التيارات الظلامية على أمل استدراك ثأرهم، قد كانت تحبذ المواقف الانتهازية داخل شريحة من السكان، مترددة في مواجهة تبني موقف محايد. ومن جهة أخرى أعلنت السلطة سياسة “المصالحة” رسميا لاستعادة ما يسمى بالأمن، بينما كان هدفها الطبقي الحقيقي في الواقع هو جعل الترتيب الجديد بين التيارات البرجوازية الرجعية المموهة تحت راية الإسلام، والتيارات الأكثر تنوعا فيما يسمى بـ “الحداثيين” أو “العصرانيين”، وهو ترتيب يعكس مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة ورجال الأعمال المستغلين والمافياويين، الذين اغتنوا باستغلال الطبقة العاملة، وبالتجارة المضاربة، وبالاستئثار بمداخيل الأمة، والفساد المستشري على نطاق واسع.
وكانت الخلفية العميقة لهذه السياسة، التي تضع الثقة في بوتفليقة، تسعى إلى خلق مناخ من الهدوء يسمح لها بالاستمتاع معا بإيرادات “متميزة آتية من ثمار نهب المحروقات، وخصخصة القطاعات الاقتصادية الأكثر ربحا وإعادة توزيع أراضي الدولة وتقديم الهدايا والقروض العمومية، واحتكار التجارة الخارجية من قبل جماعات خاصة من جميع الاتجاهات الإيديولوجية الرجعية، وإركاع الطبقة العاملة والعمال في سياق”الميثاق الاجتماعي" تحت رعاية الاتحاد العام للعمال الجزائريين والباطرونا والحكومة.
إن ثقل الدعايات الرجعية التي تستغل التعليم الديني في المدارس والمساجد وعبر الصحف الكبرى، الناطقة باللغة العربية أو بالفرنسية، وعبر القنوات التلفزيونية التي تبث في صفوف الشبان القدرية والتعصب وعدم التسامح والكراهية والعنف ضد المرأة، هذا العمل الأيديولوجي الخطير لم يواجه بأية معارضة من قبل السلطة، وخاصة عندما لا يسمح لها عن قصد بتطوير استراتيجيتها الابتزاززية و“الاستعانة أخيرا” ضد الخطر الصارم الذي لا يقاتل حتى النهاية. ومما لا شك فيه أن مثل هذه الإيديولوجية تصبح أرضا خصبة للتجنيد في صفوف الجحافل الإرهابية، حيث أنها تتغذى بالدعاية الحرة التامة من هذه الإيديولوجيات.
والواقع أن التأثير الأيديولوجي للظلامية على جزء من المجتمع، والذي يأتي مفروضا بحسابات سياسية، بما في ذلك بعض قادة ما يسمى بالمعارضة الديمقراطية التي وعدت خلال حملتها الانتخابية بإعادة كل الحقوق السياسية إلى قادة الظلامية " لصالح قانون العفو الذي يغسل تماما جرائمهم.
ومن البديهي أن القوى الظلامية كثيرا ما تحظى بالتشجيع على اقتراف أعمالها الإجرامية، وذلك بالدعم الكبير المفتوح أو المخفي الذي تقدمه الدول الإمبريالية في جميع الدول العربية والإسلامية لهذه التيارات من أجل جعل بلدان المنطقة تغرق في الدماء وتحترق شعوبها بالنار. وكثيرا ما تخلق الدول الامبريالية ذرائع ذهبية لتبرير “واجبها في التدخل الإنساني والديمقراطي” كما فعلت في ليبيا وسوريا ومالي ... الخ. ومن الواضح أن البيان الأخير الصادر عن ساركوزي في تونس حول مستقبل الجزائر، الذي قال بما مؤداه انه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يأخذ مضمونه بعين الاعتبار، وثنائه على الاستقرار الذي تنعم به الإمبريالية الفرنسية في المغرب، حيث تشعر هذه الأخيرة بالارتياح بأنها في دارها، هذا البيان هو تعبير بليغ عن اتجاه رؤساء الإمبريالية إلى تأجيج نيران الظلامية، وضرب الشعوب ضد بعضها البعض، وخلق الصراعات على حدودها بهدف“تقنين” تدخلاتها والاستيلاء على ثروات البلاد في المنطقة.
ومن جهة أخرى تستفيد القوى الظلامية من المناخ السياسي الناجم عن الدعاية المعادية لسوريا التي قدمتها، لمدة أربع سنوات، الصحف الجزائرية التي نصبت نفسها كمتحدثة باسم“الديمقراطيين” والمنحازة إلى الأكاذيب التي تروجها الدول الإمبريالية ووسائل إعلامها الخاصة، لدرجة أن الجزائريين المناهضين للإمبريالية نعتوا هذه الصحافة بأنها “أطلنطية”، أي عميلة للحلف الأطلسي.
ونفس كتاب الافتتاحية الذين ينتقدون سياسة “مصالحة” بوتفليقة، لا يتهمون الأسد بعدم ممارستها في سوريا، بل ينتقدون بوتفليقة بممارسة هذه المصالحة، لأنها تضعف مكافحة الإرهاب، غير أن هذا الانتقاد يتناول “السياسة الإجرامية للأسد”، لأنه يشن كفاحا لا هوادة فيه، ضد داعش وجبهة النصرة، التي أشاد بها فابيوس وقال عنها إنها “عمل جيد”.
وفي رؤيتهم المجردة للديمقراطية أو التي تمليها إرادتهم في البحث عن أهدافهم الخاصة المدعومة من القوى الامبريالية، نجدهم قد انتقلوا من إدانة جرائم الثعالب البشعة، إلى مجرد سدادات ضحايا إرهاب النظام.
والحقيقة أن هذه الأفعال هي عبارة عن تبرئة كل الجحافل الظلامية، التي وصفت كمكافحة “من أجل الديمقراطية” زورا ومن الدول الإمبريالية وأيضا من الممالك التي تدعمها وتمولها، والتي تسعى في الواقع إلى تحويل البلاد المغضوب عليها إلى رماد. إن الرؤساء ، وكذا الجهات الراعية السياسية للهجوم الظلامي تفرك أيديها بالعثور كيف أن هذه التيارات “الديمقراطية” في بلادنا أسهمت في التشويش على المسألة السورية وأضعفت بجدية التضامن في الجزائر وفي العالم مع السوريين ضد الوحوش المصطنعة التي تنتجها الإمبريالية وممالك الخليج.
وتستفيد التيارات الظلامية من العقبات التي تخلقها السلطة حول التجنيد الديمقراطي والمستقل للقوى الشعبية، إذ لا يمكن أن تكون هناك نضالات حقيقية وعمليات جدية للقضاء على الظلامية، دون الاعتراف بالحق في التنظيم الحر، ودون إلغاء جميع القوانين التي تمنع الجماهير من تطوير مؤسساتها بعيدة عن كل وصاية من هذا النظام.
إن النضال ضد نفوذ، ونشر، وتغلغل وتوظيف الظلامية، مرتبط ارتباطا وثيقا بالنضال السياسي والإيديولوجي والاجتماعي والاقتصادي ضد الاستغلال الرأسمالي والنهب الإمبريالي، الذي هو مصدر التخلف الاقتصادي، والفقر وعدم المساواة في التنمية، والهيمنة، والإحباط بين شعوب البلدان العربية والإسلامية المستغلة داخليا وخارجيا من البلدان الإمبريالية التي تغذي أيضا الإيديولوجيات المتطرفة الرجعية الظلامية، والتي تحول جزءا من الشباب المفتون بهذه الإيديولوجيات والمخدوع، من مكافحة جذور الاستغلال الاقتصادي الذي يسببه النظام الرأسمالي الامبريالي العالمي والبرجوزية المحلية التابعة له إلى التلهية بالنضال الديني وفق تلك الإيديولوجيات.
ويشهد النظام الإمبريالي أزمة مستديمة، فالقوى الظلامية تشكل بالنسبة له جيشا فاشيا احتياطيا، حيث أنها تناور وتقود هذا الجيش المخدوع وفقا لاحتياجاتها التكتيكية.
إن النضال ولنقل النضال المناهض للإرهاب من المفترض أن يكون لديه غرض الحفاظ على القلق، وإضعاف التجنيد ضد البرجوازية، وفي نفس الوقت هذا الجيش الاحتياطي مكلف بزرع الفوضى في البلدان التي تقاوم الإمبريالية والتقسيم على الصعيد العالمي والنضال المعادي للأسس الدينية الذي يعتنقها العمال والشعوب ضد مستغليهم المشترك، والحيلولة دون تفكيرهم في النضال من أجل الاشتراكية.
لقد نمت الطبقات والفئات الاجتماعية المستغلة ورجال الأعمال الأغنياء على نطاق لم يسبق له مثيل، بفضل المناخ الذي أنشأه الإرهاب الظلامي والانقسام التي خلقه هذا الإرهاب في صفوف الجماهير في سنوات التسعينات من القرن الماضي.
إن الرجعية البرجوازية، مهما كانت ألوانها الإيديولوجية، والظلاميين أو “الحداثيين” لن يترددوا لحظة- عندما تكون مصالحهم مهددة فعلا- في تجنيد هذه القوى لسحق تطلعات العمال إلى الاشتراكية، حيث لا تزال مؤسسات الدولة، والجمعيات “المنتخبة” تأوي بعض الحلفاء المؤيدين للجماعات المسلحة، ولذلك فإن القضاء نهائيا على جميع القوى الفاشية في الجزائر وفي العالم يتطلب ليس فقط رفع مستوى وعي الجماهير اللازم لعزل هذه الجماعات الإجرامية، بل وبصفة خاصة يتطلب القضاء على علاقات الاستغلال الرأسمالية والسيطرة الاقتصادية والاجتماعية للطبقات المستغلة، وإقامة مجتمع اشتراكي، وهيمنة الطبقة العاملة وحلفائها.
ويرى الحزب الجزائري من أجل الديمقراطية والاشتراكية أن العمل الواعي المنظم والمستقل للطبقة العاملة هو الشرط الذي من شأنه أن يشكل حولها حركة التعبئة الضرورية لجميع القوى الشعبية لإحباط المخططات السياسية والإيديولوجية والأعمال الإجرامية للجماعات المسلحة الظلامية، وذلك بتحويل انتباه الجماهير إلى المخططات الجديدة الهادفة إلى تفقير الجماهير الشعبية، والاستيلاء على ثروات البلاد من قبل المجتمعات الرأسمالية المحلية والأجنبية.
الحزب الجزائري من أجل الديمقراطية والاشتراكية
22 جويلية 2015


Navigation