السياسة الإمبريالية.. من “فرّق تسد” إلى “فرّق وانسحب”

الأربعاء 22 تموز (يوليو) 2015

هناك سلسة جديدة من التفجيرات والأعمال التخريبية في دول المنطقة تهز هذه المرة عقر دار بلدان خضعت تاريخياً لتبعية كبيرة للمركز الإمبريالي الأمريكي على غرار السعودية ومصر.
إذا أخذنا بعين الاعتبار التغيرات الداخلية في البلدان الضحية، من حيث بداية تفلّتها من القبضة الأمريكية الشائخة والواهنة فيما يتعلق بمصر، وبداية تذمر ما يتعلق بالسعودية وبحثها عن خيارات وتوجهات بديلة تقترب فيها نحو القطب الدُولي الآخر، الصاعد والمضاد للهيمنة الأمريكية الأحادية على العالم، أي نحو التنسيق والتعاون الاقتصادي والسياسي، وما يجري الإعلان عنه مؤخراً من إمكانية تعاون عسكري في إطار مكافحة الإرهاب، مع دول “بريكس” وبشكل أساسي مع الرّوس، الذين يبدو أنهم يديرون بكفاءة عالية عملية التقاط لحظة التراجع الأمريكي-الغربي التاريخية، عبر نشاط سياسي ودبلوماسي وتحالفات كبرى وإقليمية تستفيد ليس فقط من سلسلة أحداث وتمظهرات التراجع، بل وكذلك من ردود فعل وتخبطات القوى المتراجعة، التي يتزايد أكثر فأكثر بالتوازي مع فشلها وعجزها، طابعُها المتسم بالهروب إلى الأمام نحو المزيد من المغامرات الفاشية، والسلوك العدواني والانعزالي المثير لعداء البشرية جمعاء ضدها، وبالتالي لتوسع تحالف قوى السلام العالمي، الذي يبدو أن حقل جاذبيته أخذ يتعاظم لدرجة الاستقطاب التدريجي لأجرام طالما دارت تاريخياً في فلك المركز الأمريكي.
تجليات جديدة لتناقضات الإمبريالية
في بدايات المرحلة الإمبريالية مطلع القرن العشرين، كانت سياسة التفتيت، تأخذ شكل تقاسم وإعادة تقاسم مناطق النفوذ وإخضاعها لهيمنة رأس المال العالمي المتمركز في عدة أقطاب إمبريالية، كقوى ودول عظمى (بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان)، واتخذت هذه السياسة بالتطبيق شكل الحروب العالمية والاستعمار القديم (الكولونيالي).
وفي الفترة بعد تحرر بلدان العالم الثالث من الكولونيالية، استمرت سياسة التقسيم بشكل آخر، شكل الإلحاق الاقتصادي بالمركز الإمبريالي، الذي أخذ ينزاح مركز ثقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كأكبر الرابحين من الحرب العالمية الثانية، عبر التبادل اللامتكافئ والتقسيم الدولي للعمل بشكل ممنهج وموجّه لمصلحة المركز وعلى حساب الأطراف “المستعمرات الجديدة” أو النيوكولونيالية.
وحتى سياسات التوحيد كانت تجري في إطار ربط مجموعة بلدان في إطار عولمة رأس المال وإنشاء أسواق حرة وإصلاحات الليبرالية الجديدة، مع عودة استخدام أدوات الاستعمار القديم أيضاً من عنف وحروب، هي تركيب من الاستعمارين القديم والجديد معاً.
في ظل تراجع هيمنة المركز الإمبريالي، الولايات المتحدة الأمريكية، هل يمكن قراءة مشاريع التفتيت والتقسيم الجديدة في إطار سمة الإمبريالية التاريخية حول “تقاسم وإعادة تقاسم مناطق النفوذ” فقط؟.
فرّق وانسحب..
وفي اعتقادنا بأنّ نوعاً جديداً من التقسيم والتفتيت يستخدم اليوم من جانب الإمبريالية، وهو تقسيم “رد فعل”، أكثر منه التقسيم الفاعل الذي جرى سابقاً؛ وهو أشبه بتمزيق الوحش الفريسة الذي لن يتمكن من التهامها. إنه رد فعل على التراجع والانسحاب الاضطراري من مناطق النفوذ السابقة، للخروج منها، ولتركها على أكبر درجة ممكنة من الضعف والتوتر وقابلية الانفجار اللاحق، بهدف رفع تكاليف تهدئتها واستقرارها المستقبلي، سواء على شعوبها أم على القوى الدولية والإقليمية المناهضة للإمبريالية، والمرشحة لأن تساهم بدور هام في مستقبل تلك البلدان.
تعفن البنيان التحتي وتناقضاته مع البنيان الإيديولوجي السياسي
إنّ عملية عولمة رأس المال بما تعنيه من فرض هيمنة الطغمة المالية العالمية عبر مؤسساتها الاقتصادية - ثالوث (صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية) وآلتها العسكرية الجبارة - حلف الناتو – تبقى في جوهرها عملية طبقية تستخدم فيها علاقات الإنتاج القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لاستغلال قوى الإنتاج، ولأن قوى الإنتاج مجمّعة وذات طابع اجتماعي و«توحيدي» للبشرية، اكتسبته من خلال تطورها الموضوعي والخارج عن إرادة أي كان بوصفه قانوناً اجتماعياً، قامت على أساسه تجمعات بشرية أوسع من ذي قبل، في دول وكيانات سياسية، يبدو أنها اليوم، وبوصفها عنصراً من البنية الفوقية الرأسمالية، تدخل أيضاً في تناقض مع الميل الموضوعي لتطور البنيان التحتي وقوى الإنتاج باتجاه مزيد من التوحد، فشعوب العالم اليوم بفضل عولمة “العمل”، الموازية والمناقضة في آن، لعولمة “رأس المال»، تتوثق أكثر عرى مصيرها الموحّد، ومصالحها الجماعية المشتركة، وتبرز حاجتها المتزايدة لحماية نفسها وأراضيها من الاستغلال والحروب الإمبريالية، على المستوى السياسي والعسكري، وحماية خصوصياتها الحضارية وإيجابيات تراثها التاريخي، على المستوى الاجتماعي والثقافي، من تهديد سحقها وتشويهها، تبرز جميعها كتجليات متنوعة ملموسة لمقولة”الطابع الاجتماعي لقوى الإنتاج".
من هنا يمكن تفسير السياسة الخارجية الأمريكية والغربية في تسعير النزاعات الداخلية التفتيتية على أسس طائفية وعرقية.. إلخ، بأنها تجلٍّ ملموس لعداء علاقات الملكية الخاصة الرأسمالية لهذا الطابع الاجتماعي المتنامي لقوى الإنتاج، وتجل لتناقض جمود البنية الفوقية السياسية الحالية (كيانات الدول السياسية وأنظمتها) مع التغيرات المتراكمة في القاعدة الاقتصادية الاجتماعية التي قامت عليها الدول (تغيرات التركيب الطبقي والحياة الاقتصادية والاجتماعية وحاجات قوى الإنتاج) والتي يبدو أنها باتت تتطلب تغيراً نوعياً في الأشكال السياسية للتجمع البشري يكون جوهره تجميع الشعوب وتحالفها وتعاونها المتبادل.
إنّ تغيير البنية الفوقية السياسية القائمة حاجة موضوعية، لأنها دخلت ومنذ زمن، في تناقض مع متطلبات البنيان التحتي الذي غيرته العولمة نفسها، وهذا التناقض يكمن في جوهر الأزمة الحالية لحكم النظام السياسي في العالم عموماً، وحلقات هذا النظام الضعيفة في منطقتنا خصوصاً.
ومع تعذر الإبقاء على البنية السياسية السابقة، يمكن فهم سياسات تفريق شعوبنا وتفتيتها كمسعى إمبريالي لفرض بنية فوقية سياسية بديلة، ولكن ليست تلك الملائمة لحاجات البنيان التحتي ومصالح الشعوب في التجمع والوحدة، بل بنية سياسية تفيتيتة مناقضة لذلك تماماً.
معنى تعفن البنيان الإيديولوجي وانعكاساته السياسية
على مستوى تناقضات البنية الفوقية الإيديولوجية أيضاً، يشهد ظهور“الفاشية الجديدة” – و“داعش” أحد أشكالها - على وصول تعفن الإمبريالية إلى درجةٍ استعادت معها أكثر رواسب التاريخ والتراث رجعية وظلامية، من أفكار وممارسات متخلفة وإجرامية، والتي كانت حتى في زمانها مغتربة عن الإنجازات الحضارية للشعوب، وكانت أصلاً تعبيرات قذرة عن صراعات زعامات وقيادات الدولة الإسلامية التاريخية على السلطة فيها، وكجزء من الأدوات التي استخدمت في تلك الصراعات، وجرى جمع هذه العناصر مع نقيضها الحداثي الذي يظهر عبر نشاط “داعش” العسكري والإعلامي الذي يستخدم أرقى ما وصلت إليه التكنولوجيا العلمية من منجزات في مجال العلوم العسكرية والعلوم الرقمية، والفن، وعلم النفس الاجتماعي. وفي هذا أحد التجليات الملموسة المعاصرة للتناقض بين البنية الفوقية والقاعدية في الإمبريالية، ودليل إضافي على تفسخها وتعفنها.
إنّ أعداء الشعوب يحاولون أن يحشروها اليوم بين خيارين: إما الجمود على أساس المنظومة الحالية ببنيانها الاقتصادي والسياسي دون أي تغيير، وهو المستحيل الذي تتخيله الطبقات الحاكمة ممكناً، وإما القبول بالتقسيم وحكم الفاشية الجديدة، وهو البديل الإمبريالي الأمريكي-الغربي والأوربي الذي سيلد كيانات مريضة وسريعة الموت .في الحالة السورية تنوعت صياغة هذين الخيارين، فجرى تقديمهما للشعب السوري حيناً على هيئة اختيار بين “الحسم”، و“الإسقاط”، وأحياناً كاختيار بين “مكافحة الإرهاب أولاً”، أو “الحل السياسي أولاً”، في محاولة لفصل تعسفي طوباوي بين مهمتي مكافحة الإرهاب والحلّ السياسي، الذي يعني عملياً فشل إنجاز أي منهما، واستمرار الأزمة ومعاناة الشعب.
عن موقع قاسيون 19 جويلية 2015