الملتقى الأممي السابع عشر للأحزاب الشيوعية والعمالية باسطنبول – تركيا من 30 أكتوبر إلى 01 نوفمبر 2015

مداخلة الحزب الجزائري من أجل الديمقراطية والاشتراكية
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

لا تزال أزمة النظام الرأسمالي حادة.
إنّ العمال يقاومون ويدافعون عن مكتسباتهم الاجتماعية، لكن ينبغي على الحركة الشيوعية أن تبدل جهودا مكثفة في المعركة الأيديولوجية ليبلغ مستوى وعي الطبقة العاملة ونضالها الدرجة الضرورية للإطاحة بالنظام البرجوازي، ولبعث أملها في طرح السؤال الأساسي لاستبدال الرأسمالية بالاشتراكية. وتكمن أسباب هذا التأخير من حيث المتطلبات التاريخية في عوامل موضوعية: ضعف صفوف الطبقة العاملة نتيجة لحركات نقل الصناعات إلى بلدان أخرى، وتدمير القدرة الإنتاجية في البلدان الرأسمالية القديمة، ولكن أيضا، وبصفة خاصة، يكمن هذا التأخير في عوامل ذاتية: ارتفاع بطيء في وعي العمال في البلدان الصناعية الجديدة، وتهجم البرجوازية المعادي للشيوعية، والعمل التخريبي الذي تقوم به الاشتراكية الديمقراطية لإبقاء العمال في مسار التعاون الطبقي.
إن أزمة النظام الرأسمالي تثير تناقضات امبريالية بينية (فيما بينها) متفاقمة. ومن ثم صارت البلدان المسماة بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا) تطمح هي كذالك للفوز بنصيبها المتعلق بإعادة تقسيم العالم وفي استغلال الطبقة العاملة العالمية، والاستيلاء على الأسواق ومناطق النفوذ ومصادر الطاقة، في حين تدافع القوى الإمبريالية التقليدية بكل الوسائل عن مواقفها وتسعى إلى بسط وتوسيع نفوذها.
وإنه لمن البديهي أن روسيا هي دولة إمبريالية وتسعى هي بدورها إلى الاستيلاء على نصيبها من إعادة تقسيم العالم، وفتح طرق النفوذ إلى الرأسمال الاحتكاري الروسي. وهي تسعى، لتحقيق هذا الهدف، إلى كسب حلفاء لها بالشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم.
ومن واجب الحركة الشيوعية أن تدحض الأوهام المتعلقة بعالم متعدد الأقطاب يزعم أنه من شأنه أن يضمن السلم و استقلال الشعوب ضد أطماع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوربي، بدون قلب سلطة الطبقة البرجوازية العالمية.
إلّا أن التناقضات التي تعارض الأقطاب الإمبريالية الجديدة والقديمة يمكن إلى حد ما أن تستغلها الشعوب المكافحة من أجل النجاة من الهيمنة الإمبريالية. شريطة أن لا تزرع القوى الثورية الأوهام داخل شعوبها وطبقتها العاملة بإخفاء الطبيعة الاقتصادية الاجتماعية الحقيقية للبرجوازية لهذه الدول، ولا تصطف في ذيل هذا القطب أو ذاك.
في ظل أزمة التراكم المفرط للرأسمال، يتجلى التناقض الأساسي بين العمل والرأسمال في عدوانية مستمرة وشديدة ضد المكاسب الاجتماعية للعمال. فعلى الصعيد الخارجي، يؤدي هذا التناقض إلى العدوان الخطير تجاه جميع مناطق العالم، من خلال تكثيف العمليات العسكرية لحلف شمال الأطلسي، على طول حدود روسيا على وجه الخصوص وبدعمها السياسي والمالي والعسكري لمختلف القوى الداخلية في أفريقيا وفي الشرق الأوسط بهدف إسقاط الأنظمة غير المنضبطة أو لتفكيك القوى التي تستعصي السيطرة عليها على غرار ليبيا والعراق وسوريا واليمن، الخ. وتغرق القوى الإمبريالية الكثير من الشعوب في فواجع لانهائية وفي البؤس والنزوح الجماعي.
وتشدد الإمبريالية ضغوطها على البلدان الخاضعة لهيمنتها الاقتصادية لإجبارها على إعادة تنظيم نظامها الاقتصادي ليتطابق تماما مع رغبات الرأسمال الأجنبي الكبير وحده، ومع إرواء ظمأه اللامحدود في الأرباح أيضا. ولهذا فإنها تدعم كل دولة برجوازية وكل تيار سياسي برجوازي من أجل قهر النضالات العمالية والشعبية، لكنها لا تعترف بحق أية فرقة قيادية برجوازية محلية في استقلالية قرارها التي من شأنها أن تتعارض مع مصالح الرأسمال الأجنبي الكبير. وفي حالة ما إذا كان ميزان القوى الداخلي يدفع الفرقة القيادية البرجوازية للتردد في الذهاب إلى المواجهة مع العمال والجماهير، تتعهد الدول الإمبريالية لتستبدلها بقيادة أخرى أكثر تذللا و تستعمل لهذا الغرض التخريب الداخلي والتهديد باستخدام القوة الخارجية، فهي تعتمد على كل قوة رجعية متنازعة مع الحكم القائم، بما في ذلك الجماعات الفاشية، من النوع النازي أو الإسلاموي المزعوم. وتتهم الدول الإمبريالية باقتراف جرائم ضد الإنسانية أي زعيم متشبث باستقلاليته، حتى ولو كان نصيرًا للرأسمالية، عندما تترقرق الدماء في النزاعات التي تثيرها تدخلاتها الخارجية.
وفي الجزائر ما فتئ قادتها يكسرون اقتصاد البلاد المنتج الحديث منذ 25 سنة، وذلك بتلبية العديد من مطالب الرأسمال الأجنبي ومنح نصيبهم في السوق المحلية لكل مجموعة امبريالية في العالم. وفي هذا السياق يصهر النظام الجزائري على تأمين الاستقرار وتعزيز هيمنة البرجوازية. وتحت حجة منع التيارات السياسية التي تستعمل الإسلام للوصول إلى السلطة أغلقت النشاط السياسي، بتوظيف القوانين المعادية للديمقراطية. وفي الواقع هذه القوانين لا تعرقل سوى نضالات الطبقة العاملة والجماهير، لكن القوى الإمبريالية تطالب دوما بالمزيد، وبصفة خاصة، بخوصصة منابع النفط والغاز، ويبدو أن النظام الحالي لا يناسبها أو كما تريده،
لأنه يتردد في الذهاب إلى المواجهة المباشرة مع الجماهير الشعبية في هذا الشأن. ولذا تسعى الآن القوى الإمبريالية إلى استبداله بفرقة أكثر لُيونة و تبحث في استخدام وسائل أخرى ، إما باستخدام أساليب “التهدئة” أو باللجوء إلى مناورات عنيفة. ومهما تكن هذه الأساليب، فهي تعتمد على أجزاء أخرى من البرجوازية الحريصة على الإستحواذ على جميع خيرات البلاد والمستعدة تمام الاستعداد لتضع نفسها تحت أوامر الامبريالية، كما تعتمد أيضا على تيارات القوى الأكثر رجعية المصبوغة بالصبغة الدينية.
لقد دخلت المجابهات الإمبريالية البينية )ما بين الإمبرياليات) مرحلة جديدة مع التطورات الأخيرة في سوريا. فالحرب الداخلية التي تؤلم هذا البلد منذ 2011 يثيرها الدعم الذي تقوم به القوى الإمبريالية الكبرى وحلفاؤها في المنطقة: ابتداء من تركيا وممالك الخليج، إلى التمرد المسلح الذي تنظمه التيارات السياسية والإيديولوجية الأكثر رجعية في المجتمع، حيث تستغل هذه التيارات الرجعية المتسترة تحت ستار الإسلام الاستياء الاجتماعي الذي تثيره النتائج المعادية للشعب الهادفة إلى التحول المتضخم إلى الرأسمالية.
وبهذه المناسبة نعبر عن تضامننا مع رفاقنا الشيوعيين في سوريا. إننا نحن الشيوعيين الجزائريين استفدنا من الدروس التي إستخلصناها من تجربتنا في الجزائر، حيث التيارات الانتهازية حطّمت تماما الحركة الشيوعية بعد ما حوّلتها غالى قوة إضافية مساندة لسلطة الدولة البرجوازية الصغيرة وفيما بعد للدولة البرجوازية،
في الوقت الذي تغتال فيه القوى الظلامية خلال سنوات التسعينات عشرات ألآلاف من المواطنين. إننا واثقون من أن الطريق الصحيح هو النضال المبدئي تحت كل الأشكال الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية والعسكرية بهدف الوصول إلى إفشال المجموعات الظلامية والمرتزقة وقوى التدخل الأجنبية. وهو الطريق الذي تمليه الوقائع السورية الملموسة لتعزيز وزن القوى الشيوعية الثورية، ومن أجل أن تجبر، في الميدان، النضالات المستقلة عن البرجوازية للحركة العمالية بما في ذلك قطاعها الذي يتبنّى مكافحة التكفيريين الظلاميين . ومن الواضح أن هذا الطريق يسخِّره تراكم القوى وتحقيق النفوذ السياسي والإيديولوجي الضروري لتحول محاربة الظلامية والتدخل الإمبريالي إلى مسارفي سياق النضال من أجل الاشتراكية .
إن الشيوعيين الجزائريين يرون أن:
1- الأحزاب الشيوعية في العالم كله، بما في ذلك حزبنا، تتحمل مسؤولية كبرى في إعداد الاستيراتيجية والتوجهات السياسية والإيديولوجية المتنفذة من أجل الهدف الجوهري المتمثل في إسقاط النظام الرأسمالي الذي يمثل الأساس الاقتصادي للإمبريالية، والذي لا يمكن إصلاحه، بل يجب أن يحل محله نظام اشتراكي. وفي هذا الصدد يجب التأكيد مرة أخرى على المحتوى التاريخي لعصرنا وهو النضال الحازم للانتقال إلى الاشتراكية. إن الظروف المادية الموضوعية لهذا الانتقال متوافرة على نطاق واسع.
2- إن غاية الحركة الشيوعية، كطليعة ثورية، هي في سياق النضالات الطبقية اليومية، العمل لرفع وعي الطبقة العاملة والفئات الشعبية المضطهدة من قبل الرأسمالية لاستيعاب ضرورة الثورة الاشتراكية، والإحراز على سلطة الطبقة العاملة وحلفائها وتشريك الوسائل الإنتاجية، والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي.
إنَّ مهمتنا هي مكافحة نفوذ الإيديولوجيا البرجوازية وخاصة الاشتراكية الديمقراطية في داخل الطبقة العاملة التي تأخِّر وعيها الطبقي بضرورة الاشتراكية، وتربية الطبقة العاملة بحيث يتوافق وعيها مع مصالحها الاستراتيجية، لا يمكن الانتصار عليها بدون وجود حزب شيوعي ثوري وبدون نقابات طبقية مستقلة عن البرجوازية، وبدون نقابات عالمية، وبدون نضالاتها الخاصة. فبدون توافر كافة هذه الشروط ستبقى الطبقة العاملة دوما مخدوعة بافتراءات البرجوازية، ودوما مستغلة.
إن بناء حزب ثوري وتوطيده أو إعادة تشييده حيث فكّكه المرتدون، يجب أن يكون في مركز عملنا بربط النضالات اليومية للعمال والفئات الاجتماعية الأخرى بغية تحقيق مطالبها المباشرة والمصلحية، وضد التقشف لصالح البرجوازية، وضد إعادة النظر في مكاسب الطبقة العاملة بالدعاية التي لا هوادة فيها لضرورة الثورة الاشتراكية. يجب على الحزب الشيوعي أن يكون متغلغلا في داخل العمال والجماهير الكادحة، كما يجب عليه أن يحرض ويوجه إنشاء النقابات العمالية والتنظيمات الشعبية (الفلاحون الفقراء، النساء، الشبان، العمال المستقلون).
يجب مكافحة الاتجاهات الإصلاحية للاشتراكية الديمقراطية، الفكرية والسياسية ، والتيارات المراجعة، والتراجعات القومية والقومية الفاشية والظلامية الدينية الموضفة من قبل القوى البرجوازية في البلدان المهيمنة. يجب مكافحتها بحزم يوميا بالوسائل التي نملكها والتي يجب علينا تعزيزها وخصوصا في الميدان الإعلامي.
3- يجب أن تصهر الطبقة العاملة وحزبها الثوري على إنجاز تحالفات مع الجماهير الكادحة التي تعيش من عملها في الفلاحة، والفئات الاجتماعية الشعبية الأخرى، والإطارات المتمسكة بالدفاع عن التطلعات الشعبية والتي ترفض السيطرة الرأسمالية.
ولا يمكن أن تكون هناك تحالفات سياسية واجتماعية دائمة لوضع حد للرأسمالية، بدون حزب شيوعي ثوري متجذر ومتنفذ داخل الطبقة العاملة وفعال ينشط بشكل مستقل ويرفض تذويبه في ما يسمّى ب “الحركات اليسارية الواسعة” سواء أكانت داخلية أو خارجية.
4- يجب خوض النضال ضد جميع القوانين والإجراءات المتخذة بهدف منع الوجود الشرعي للأحزاب الشيوعية والنقابات الطبقية، أو منع أو تقييد نشاطاتها، في كل بلد معني، كما يجب أن تتضامن كل الأحزاب الشيوعية في العالم مع الأحزاب التي تكون ضحية للقمع في بلدانها.
5- ومن الواضح أن إحدى المهام الأساسية للشيوعيين هي الكفاح ضد البلدان الإمبريالية في مخططاتها العسكرية التحضيرية لحرب عالمية جديدة، من شأنها أن تكون مدمِّرة بسبب الاستخدام المحتوم لأسلحة الدمار الشامل. إن نضالنا من اجل السلام ينبغي أن يبيّن للشعوب أن أسباب الحروب لن تضمحل إلاّ بعد إزالة الرأسمالية. إنه لمن الوهم الاعتقاد بأن التحالف مع الأقسام السلمية للبرجوازية يمكن أن يمنع انطلاق الحرب.
*- وعليها، معارضة كل تدخلات البلدان الإمبريالية في الشؤون الداخلية للشعوب. وفي هذا الصدد يجب على الشيوعيين في البلدان الإمبريالية مكافحة هذه التدخلات وتدعيم نضال القوى الثورية المعادية للإمبريالية قي هذه البلدان، كما يجب على الشيوعيين في البلدان الخاضعة أو المعرضة للاعتداء أن تربط بين النضال المعادي للتدخلات، وبين النضال من أجل جبهة داخلية للمقاومة للتي تقودها الطبقة العاملة وحلفاؤها من أجل الأفق الاشتراكي.
*- تفكيك النظام الاستعماري المتأصل في الحروب مثل الجرائم الحالية في فلسطين بخوض النضال من أجل حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة والسيدة مع اعتبار القدس الشرقية عاصمة لها، ومن أجل حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، ومن أجل إعادة توحيد قبرص، والتوحيد السلمي للكوريتين.. الخ.
*- النضال في جميع البلدان من أجل سحب قوى الاحتلال الأجنبية ومن أجل تفكيك قواعدها العسكرية، ومن أجل إزالة التحالفات العسكرية العدوانية للإمبريالية على غرار حلف الناتو.
*- النضال في البلدان الإمبريالية أو الخاضعة للإمبريالية ضد رفع ميزانية الحرب الهادف إلى سيطرتها، والسعي لتخفيضها والنضال المضاد للأسلحة النووية من أجل تخفيضها وتدميرها؛ والنضال في البلدان المهددة بالتدخلات الإمبريالية من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية العسكرية بالاِرتباط مع النضال من أجل إنشاء حكم ديمقراطي شعبي، لتعبئة الجماهير الديمقراطية ضد التهديدات الخارجية وحلفاء الامبريالية في الداخل ولتعزيز العلاقة بين الجيش والشعب على هذا الأساس، لرفض الدعاية البرجوازية عن الحياد السياسي للجيش في مقاومة مناورات الإمبريالية ولرفض التعارض الكاذب بين السياسي والعسكري وأيضا لدحر الدعاية الهادفة في الواقع إلى إخضاع الجيش لمصالح الإمبريالية وحلفائها الداخليين.
6- تطوير التضامن الأممي للأحزاب الشيوعية والعمالية حول المهام المباشرة الملحة، وأيضا حول المهام الاستراتيجية ومنها تلك المهام التي تهتم بالدفاع عن الاتحاد السوفياتي والاعتراف بطابعه الاشتراكي، وضد مراجعة تاريخ الحركة العمالية، ومن أجل تعزيز ارتباطاتها والتحامها بأساس الماركسية اللينينية وإثراء مضمونها الإيديولوجي والسياسي.
7- تعزيز الصلات بين الأحزاب الماركسية اللينينية المقتنعة بأن مهامها هي أن تخوض، في كل الميادين، المعركة من أجل تحضير استئناف البروليتاريا العالمية وحلفائها لسعيها من أجل الإطاحة بالرأسمالية وإقامة الاشتراكية.
استامبول تركيا
المصر الأساسي للمداخلة
جريدة الاتصال من 30 أكتوبر إلى 01 نوفمبر 2015