روسيا في سوريا : دوافع إستراتيجية تتجاوز الإرهاب

lundi 9 novembre 2015

ما الذي يدفع روسيا إلى إرسال طائراتها وجنودها إلى خارج المجال الحيوي للاتحاد السوفياتي السابق؟ سؤال طرحه كثيرون مع بدء أولى المقاتلات الروسية غاراتها على مواقع المسلحين في الشمال السوري يوم الثلاثين من سبتمبرالفائت.
ربّ قائل أن التدخل الروسي في سوريا لا يشكل سابقة في التاريخ المعاصر، خصوصاً إذا ما عدنا إلى الماضي القريب، وتحديداً إلى أواخر الستينيات، حين نفذ الاتحاد السوفياتي ما عرف حينها بـ« عملية القوقاز »، التي حملت آلاف الخبراء السوفيات إلى مصر لدعم « حرب الاستنزاف » التي أعلنها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على إسرائيل لاستنهاض الصراع العربي - الإسرائيلي بعد هزيمة العام 1967.
وبالرغم من أن التدخل العسكري الروسي في الشرق الأوسط لا يشكل سابقة في التاريخ الحديث، إلا أنه نادر الحدوث، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وتفكك « حلف وارسو » العدو اللدود لـ« حلف شمال الأطلسي » بزعامة الولايات المتحدة.
وبصرف النظر عن الأدبيات السياسية المعتمدة من الكرملين، والتي تندرج تحت عنوان محاربة الجماعات المسلحة المتشددة، إلا أن الحرب على الإرهاب ليست سوى هدفاً وحيداً من جملة أهداف جيوسياسية في سياق الصراع القائم على الحلبة الدولية.
ولا شك في أن التحرّك الروسي في سوريا – وربما مستقبلاً في العراق – يندرج في إطار معركة جيوسياسية تخوضها روسيا في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وهو نزال عالمي، لم تكن روسيا من بادر إليه، ولكنها انتقلت اليوم في موقع المدافع إلى موقع المبادر، ربما وفق تكتيك تقليدي يقوم على فكرة أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم.
ولا يخفى أن الصراع الدولي، ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، ظل يسير وفق مسار رسَم صنّاع القرار في الولايات المتحدة خطوطه العريضة، وذلك في إطار المشروع الأميركي للهيمنة على العالم، تمهيداً لتثبيت الأحادية القطبية، التي لم تتحقق حتى الآن بشكل فعلي، برغم النجاحات التي تحققت هنا وهناك خلال العقد الأخير من التسعينيات.
وكان واضحاً منذ انهيار الاتحاد السوفياتي أن الولايات المتحدة، وتحقيقاً لأهدافها الطويلة الأمد، قد اعتمدت سياسة القضم التدريجي لمناطق النفوذ في العالم.
وكانت البداية، وفق المخطط المرسوم، في محاصرة روسيا الاتحادية من الغرب، وذلك عبر جذب كل دول أوروبا الشرقية إلى المعسكر الغربي بعد تفكك حلف وارسو، وهو ما تحقق بالفعل في مطلع الألفية الحالية، بعد الحرب الأطلسية على يوغوسلافيا، وإسقاط نظام سلوبودان ميلوسيفيتش، وفصل إقليم كوسوفو.
وإما المرحلة الثانية، فتمثلت في السعي لمحاصرة روسيا من الجنوب، وتحديداً من بوابة « الشرق الأوسط الكبير »، تمهيداً لنقل المعركة إلى الشرق الأقصى. وكان من سمات هذه المرحلة الثانية، تثبيت محور إقليمي موال بشكل كامل للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ركيزته تركيا وإسرائيل وأثيوبيا.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد حققت انتصارات في أولى محطات هذه المرحلة، بعد غزو أفغانستان (2001)، ومن ثم العراق (2003)، فإن هذه الاندفاعة سرعان ما واجهت عثرات، سواء في لبنان، بعد الهزيمة التي منيت بها إسرائيل في العام 2006، أو في الخروج المذل لقوات الاحتلال الأميركي من العراق (2010).
وبرغم محاولة الولايات المتحدة، لاحقاً، أخذ زمام المبادرة، عبر الانقضاض على الثورات العربية، وتسليمها إلى جماعة « الإخوان المسلمين »، المرتبطة عضوياً بنظام رجب طيب اردوغان في تركيا (المنضوية في حلف شمال الأطلسي)، إلا أن سلسلة الأحداث التي تلت « الربيع العربي »، إن في مصر، حيث أسقطت « ثورة 30 يونيو » الركيزة الأساسية لـ « الاخونة » في المنطقة العربية، أو في سوريا، حيث تحولت الانتفاضة الشعبية إلى حرب مفتوحة على احتمالات كارثية، تمخضت عنها انتكاسات خطيرة، أبرزها انفلات العفريت « الداعشي »، الذي حضّره الغرب، وتحوله إلى مصدر تهديد للعالم اجمع.
وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن روسيا، ومنذ « الخديعة الكبرى » التي تعرّضت لها في ليبيا - وتعبير « الخديعة » استخدم كثيراً على لسان مسؤولي الكرملين – قد وصلت إلى قناعة راسخة بأنّ كل ما يجري في الشرق الأوسط، أو في مجمله، يصب في خانة الصراع الدولي الذي تخوضه الولايات المتحدة ضدها، خصوصاً أن تلك المغامرات الأميركية قد ترافقت مع تحركات مدعومة أميركياً لاستنزاف روسيا، بدءاً بالحرب الشيشانية، مروراً بـ« الثورات الملونة »، ومن ثمّ المغامرة الجورجية في ابخازيا واوسيتيا، وصولاً إلى محاولة فرض « الشراكة الأطلسية » في أوكرانيا وغيرها من دول الاتحاد السوفياتي السابق، ناهيك عن مشروع « الدرع الصاروخية »، تحت ذريعة الحماية مع الصواريخ الإيرانية.
وبالرغم من أن المخططات الأميركية قد أظهرت نجاحاً ظاهرياً، إلا أن الخطأ الاستراتيجي الذي اقترفته الولايات المتحدة كان أنها تجاهلت أو أنكرت أن روسيا – بوتين في الألفية الثالثة باتت مختلفة عن روسيا-يلتسين في العقد الأخير من الألفية الثانية.
وكان واضحاً أن الولايات المتحدة، وفي سياق حالة الإنكار تلك، قد تجاهلت رد فعل بوتين على إسقاط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، والذي تمثل في ضم شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين الانفصاليين في شرق أوكرانيا. لا بل أن الغرور الإمبراطوري لدى صناع القرار في الولايات المتحدة قد ذهب بعيداً في التعامل مع الكرملين، وقادهم إلى الجنوح نحو التصعيد عبر فرض العقوبات الأحادية والتلاعب بأسعار النفط والغاز.
إنطلاقاً من كل ذلك، لا يمكن سوى إدراج التدخل الروسي الأخير في سوريا ضمن الإطار الاستراتيجي، بصرف النظر عن الأهداف التكتيكية، والمرتبطة بالحرب على « داعش » وأخواتها. ولعل ابرز تجليات هذا الطابع الاستراتيجي استعادة عبارات من حقبة « الحرب الباردة » في الخطاب الإعلامي المعتمد من قبل الطرفين. وهذا ما يقود إلى استنتاج أن ثمة احتمالاً من اثنين قد تفضي إليه العملية العسكرية / السياسية الروسية في سوريا : الأول، قبول واشنطن بالأمر الواقع، والاعتراف بالكرملين كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، وبالتالي تنازلها عن عرش قيادة العالم، وفق نظريتها الأحادية، وهو ما يعني استعادة مفاعيل اتفاقية يالطا التي ذكرها بوتين في خطابه أمام الأمم المتحدة، أو استمرار سياسة التحدي والإنكار وسلوك طريق المواجهة الكبرى التي تتجاوز حدود سوريا والشرق الأوسط، والتي يحذر كثيرون من أن نتائجها ستكون مدمّرة للإنسانية.
رُب قائل إن بوتين يمارس في الشرق الأوسط لعبة « الروليت الروسي »، وان ما قام به في سوريا « مغامرة عسكرية » قد تقود إلى « أفغانستان-2 »... إلى آخر كل تلك التنظيرات التي تحفل بها كتابات المحللين في الغرب. لكن في الواقع، فإن الرئيس الروسي يدرك جيداً أن المعركة الجيوسياسية الدائرة منذ ربع قرن على المسرح العالمي تبدو اقرب إلى حرب عالمية ثالثة غير عسكرية – بالمعنى التقليدي – هذه المرّة.
وربما أعادت طوابير قدامى المحاربين المشاركين في احتفالات « عيد النصر » في الساحة الحمراء في موسكو إلى أذهان بوتين طبيعة معركة ستالينغراد، التي شكلت انعطافة في الحرب العالمية الثانية. يومها، كان الكل يدرك أن تلك المعركة الضارية لا تحتمل نصف انتصار لأدولف هتلر. وربما هذا ما يفسّر استماتة القيادة السوفياتية بزعامة جوزيف ستالين وقتئذ في عدم تمكين الزعيم النازي من تحقيق مآله، فكان الصمود الأسطوري، ومن ثم الانتصار الكامل للسوفيات، الذي قلب مشهد الحرب الكونية رأساً على عقب... وربما أدرك بوتين أيضاً أن سوريا بالنسبة إلى الأميركيين تمثل اليوم ما كانت تمثله ستالينغراد بالنسبة إلى النازيين... فكانت نقلته المباغتة في شطرنج الصراع الدولي.
عن موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة
الجمعة 6/11/2015