سوريا: إنجاز حل سياسي بين المعارضة والسلطة ممكن،...

الاثنين 4 أيار (مايو) 2015
par  االجزائر الجمهورية

كان هذا ما هو سائد في بداية الصراع سنة 2011، وهو يطرح نفسه اليوم، لكنه في صيغة أخرى، وفي ظل موازين قوى جديدة.

والواقع أنه عندما كانت المظاهرات التي تطالب بالتغيير، ذات طابع سلمي في البداية ، استعمل هذا المصطلح “الحل السياسي” كمقابل للحلّ الأمنيّ، وتحولاته الرامية إلى تثبيت علاقة جديدة بين السلطة والشعب، وكانت تهدف إلى الإحلال محل الاستخدامات القمعية التي كانت سائدة من قبل. وقد حدث شيء من هذا فيما مضى بصورة جزئية، وتجسد في تحوير هذه العلاقة التي حالت، في شكلها القديم، دون تحول تجاه نزاع داخليّ مفتوح. لكنّ حلّاً سياسيّاً شاملا من هذا النوع آنذاك كان يعني انتصاراً لما سمي بـ “الربيع العربيّ” الذي يختلف مفهومه بين السلطة والمعارضة. وكان مفهوم المعارضة لـ “الربيع العربي” مرفوضاً ليس فقط من قبل السلطة الحاكمة في سوريا، بل أيضاً من بعض القوى الإقليميّة التي كانت تخشى من امتداد الموجة إليها من جهة، وتفيد القوى المناصرة لها سواء أكانت إقليمية أو دولية من جهة أخرى. وكان لهذا المفهوم الاستراتيجي لما يسمى بـ “البيع العربي” لدى السلطة لسورية دور كبير في عرقلة الحلّ السياسيّ، بسبب اختلافه بين المعارضة والسلطة. وكانت النتيجة الناجمة عن ذلك دفع سوريا، على غرار بلدانٍ عربيّة أخرى مثل ليبيا واليمن وغيرها، إلى حرب أهلية، وكذا إلى نزاع مسلح بين مختلف الفرق والجماعات لمصلحة قوى إقليمية ودولية بعينها.

واليوم، وقد ابتليت سوريا بأتون هذه الحرب الأهلية، تعود إلى استخدام مصطلح هذا الحلّ السياسيّ للدلالة على أمور تختلف تماماً عما كان عليه الوضع السابق. فمن وجهة نظر السلطة، بات الحل السياسي يعني أساسا “إمكانية عودة الضالين والمغرر بهم إلى حضن الوطن”، وهذا يعني عمليا أن تفرط المعارضة في استحقاقاتها، وترضخ لمفهوم السلطة القائمة عن المصالحة، وهيمنتها على مؤسسات الدولة، كما كانت الصورة من قبل. لكن هذا التفسير الذي تتبناه السلطة ليس مقبولا من وجهة نظر المعارضة أيضا، باعتبار مؤسّسات الدولة ذاتها ، حيث تبرر ذلك بوقوع تغييرات أساسية في المجتمع السوري ومؤسسات الدولة السورية خلال الحرب، ونظراً كذلك إلى أن المجتمع السوري أفرز خلال فترة الحرب كثيراً من القضايا لم تكن مطروحة من قبل، أي في فترة عسكرة المجتمع، ووصولاً إلى تولي إدارة شؤونه محليّاً، على غرار ما حصل في مناطق الأكراد في الشمال. وهذه التحولات واضحة تمام الوضوح حتّى في سياق ما يسمّى بـ “المصالحات” التي أخذت تعقدها مؤسّسات الدولة السورية مع المناطق التي حاصرتها، أو المناطق الشماليّة، خصوصاً بعد تحرير عين العرب (كوباني) من قبل الأكراد. ومن الواضح أن استمرار السلطة في اعتمادها على هذا التفسير، لا يعني من وجهة نظر المعارضة سوى أنها تنكر الواقع في صيغته الجديدة، آملة من وراء ذلك إلى إنجاز نصر عسكري حاسم، وهو أملٌ يبدو واهيا، حسب اعتقاد المعارضة، لكن مع ذلك تتشبث به السلطة استنادا إلى تحقيق هذا الانتصارٍ العسكريّ والسياسيّ على المعارضة ومن يؤيدها، من أطراف إقليمية ودولية، بالإضافة إلى تغيّر موازين القوى الإقليميّة والدوليّة، نسبيا، التي تسمح لها بفرض حل طبقا لشروطها ومفهومها.

ومن جهتها، تعتمد معظم أطياف المعارضة السياسيّة، على تفسير للحلّ السياسيّ يعتمد على أسس بيان “جنيف1” كما تفهمه هي، أيّ تفسير يقوم على تفاوض جزء من المعارضة على تقاسم السلطة مع الحكم الحاليّ. ويصطدم هذا التفسير بواقع أنّ هذه المعارضة السياسيّة ما تزال تراهن، على الدعم الإقليميّ والدوليّ أكثر من مراهنتها على كسب قاعدة شعبيّة لها على الأرض، وعلى ارتباطها الوثيق مع المعارضة المسلّحة السلميّة التي تقبل بالمساواة في المواطنة مع النظام. والواقع أن هذا التفسير صحيح، فقد ظلت المعارضة تعاني من هذه الثغرة وما تزال إلى حد الآن. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتجاوزها، تحت شعار توحيد صفوف المعارضة، إلا أنها مافتئت تتكرّس أكثر فأكثر وتكتسب مفاهيم جديدة تتمثل في اختلافها وانقسامها إلى تكتّلات ذات تناقضات أساسية في الأهداف الاستراتيجية والتاكتيكية. فالمعارضة المسماة بالمسلّحة تتجمّع في كتل سياسية، مثل “الجبهة الشاميّة” مقابل “جبهة النصرة”، وكذلك “جيش الإسلام” الذي أخضع في مناطقه الفصائل الأخرى، والمعارضة السياسيّة تشهد أيضاً نهاية أوهام كانت تتصورها، وهي أوهام احتكار “الائتلاف” المعارض لتمثيل الشعب السوريّ. وهذا التحوّل كلّه حدث نتيجة تغيّرات على مختلف المستويات، وخاصة التغير في رؤية الدول الإقليميّة للحلّ السياسيّ، حتّى بين تلك التي كانت سابقاً في صفٍّ واحد مع المعارضة. وصار الوضع كالتالي: من يجلس مع مَن إذن في “جنيف 3؟” أو المرحلة الثالثة من التفاوض، إذا أخذنا بعين الاعتبار مثل هذا التحول، ومن هي «المعارضة» التي ستنال جزءاً من السلطة والصلاحيات المنصوص عليها في البيان المرجعي، المثير للجدل الذي صادق عليه مجلس الأمن؟. وهل يشمل مصطلح “الحل” جميع المنظمات السياسيّة القائمة داخل وخارج البلاد؟، وكذلك المعارضة المسلّحة التي لاتمارس الإرهاب (ولكنها تستخدمه) وممثّلي قوات الحماية الشعبيّة والإدارة الذاتية في الشمال (الأكراد)، والعشائر المعنيّة ذات المواجهة المباشرة مع “داعش”؟. كل هذه التساؤلات ينبغي أن تطرح. ولا ينبغي إدراك أن هذه التساؤلات هي عبارة عن تقليل من قدر المعارضة التي تتساءل ماذا يعني الحلّ السياسيّ، بل هو مسؤوليّة سياسيّة وجهد مطلوب للخروج من الصراع الحاد القائم. وإذا كانت المعارضة قد تكرست إلى مجموعة “معارضات” مختلفة، فإنّ السلطة الحاكمة بدورها، رغم الإنجازات العسكرية والسياسية التي أحرزتها، قد تكرست اختلافاتها أيضا، (وإن كان ذلك غير ملاحظ للعيان)، فلم تعد اليوم السلطة سوى طرف من الأطراف المتنازعة، بينما هي في الحقيقة عبارة عن “سلطات”، ومراكز نفوذ متنوّعة.

باختصار، لقد آل تطور الأمور إلى مأزق يصعب الخروج منه. لكن الواقع الملموس يقول بأنه لابد من حل ما، رغم أن الحل السياسي غير مقبول حتى الآن لا من وجهة نظر السلطة ولا من وجهة نظر المعارضة، بل وحتى بعض الأطراف الدولية. لكن، من جهة أخرى، بالقياس إلى تجربة الحرب الفظيعة والتغير الملحوظ في موازين القوى لصالح السلطة، وحدوث تغير كبير في مواقف الأطراف الإقليمية والدولية إزاء المعضلة، يبدو أن الحل العسكري مستبعد. وإذا كان الحل السياسي غير متاح أيضا في ظل بقاء النظرة إلى هذا الحل على ما هي عليه من وجهة نظر السلطة والمعارضة على السواء، فكيف ستنتهي المشكلة العويصة؟

هناك ثلاثة خيارات مطروحة أكثر من غيرها في الساحة، يمكن رصدها حاليا، على النحو التالي:

1- وقوع تطور في مفهوم الحل السياسي من قبل السلطة والمعارضة، استنادا إلى وقائع ملموسة وإلى ضغوط إقليمية ودولية، أو باتفاق هذه القوى، يسمح بحل يرضي جميع الأطراف. ولكن على الرغم من أن إمكانية هذا الحل مقبولة نظريا، إلا أنه في ظل ابتعاد مواقف الأطراف عن طبيعة هذا الحل، يصبح تحقيقه على هذا النحو أمرا صعبا للغاية.

2- حل مفروض على المعارضة حسب إملاءات السلطة، انطلاقا من الإنجازات التي حققتها في الآونة الأخيرة، وتحت شرط موافقة دولية ضمنية. وهذا الحل يبدو صعبا أيضا، لأن الإنجاز الذي حققته السلطة لا تعترف به المعارضة من جهة، ولأن قيام الحل على هذا الأساس يبدو وكأنه انتصار كبير للسلطة من جهة أخرى.

3- يبقى الخيار الثالث، وهو الحل العسكري الذي لا تستبعده السلطة، بل تعتبره أحد الخيارات الممكنة، إذا فشلت الخيارات الأخرى التي تريدها. ومن البديهي أن المعارضة بدورها حتى الآن، ترفض هذا السيناريو، وكذا ترفض الأطراف الدولية التي تناصرها هذا الحل (الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوربي وتركيا وممالك الخليج). ومهما يكن من أمر هذه الحلول أو السيناريوهات، ورغم صعوبة تحويل كل منها إلى واقع ملموس، إلا أن المسألة، موضوعيا، متجهة نحو الخيار العسكري الذي تفترضه السلطة، وخاصة أنه لا يتعارض مع مفهومها للحل السياسي بشكل عام. وإذا كان الوضع الراهن، يفترض إمكانية تحقيق حل من الحلول التي توافق عليها السلطة، نظرا لأنها أثبتت جدارتها وهيمنتها في الميدان، فإن هذا الحل لايمكن أن يتحقق، بدون موافقة الأطراف الإقليمية والدولية.

والخلاصة أن الحل السياسي بين السلطة والمعارضة مقبول، وخاصة في ظل تغير موازين القوى لصالح السلطة
القائمة، ولكنه ليس حتميا. وفي سياق الاحتمالات، يمكن القول بأن السلطة تؤثر الحل الذي يخدم مصلحتها، رغم أنها غير متأكدة من حتميته، لأن أي حل ، لكي يكون مقبولا، لا بد أن يكون تحت موافقة القوى الإقليمية والدولية، سواء تلك القوى المؤيدة للحكومة السورية مثل روسيا والصين وإيران وحزب اله، أو المؤيدة للمعارضة مثل الولايات المتحدة وإسرائيل ودول وممالك الخليج. ويبقى القول إن هذه الخيارات المطروحة تحتوي على درجة قصوى من الصعوبة، ولكن النظام القائم، مع ذلك، هو المؤهل لصنع حل هو أحد أركانه الأساسية وليس بعيدا عنه، فقد برهن عن جدارته بالملموس، حيث أنه في الواقع هو القادر على صياغة حل حقيقي تقبله أغلبية الشعب السوري.

.

حامد ربيع

19 فيفري 2015

السبت 14 فيفري 2015