شرق أوسط جديد

نعيم الأشهب
الثلاثاء 4 آب (أغسطس) 2015

لن يكون في وسع واشنطن، بعد أن تبنى مجلس اﻷمن اتفاق فيينا، استصدار قرار جديد ضد إيران، حتى لو أرادت، في ضوء المتغيرات التي طرأت على عمليات الاستقطاب والفرز الدولية الجديدة. ويمكن الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية، المغيّبة، ستكون في طليعة الرابحين من هذا التغيير التاريخي.
بعد هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967، وفرض إسرائيل لسلسلة المعاهدات والاتفاقات على مصر ومنظمة التحرير واﻷردن، بدا لها بأن العالم العربي قد استسلم لهيمنتها، فطرحت على لسان شمعون بيريس ما سمي بمشروع “الشرق اﻷوسط الجديد”. وبعد الغزو العسكري اﻷميركي لكل من أفغانستان والعراق، طرحت إدارة بوش اﻹبن، عام 2004، مشروعا جديدا أطلقت عليه اسم “الشرق اﻷوسط الكبير”. وحين تعثر تحقيقه، قامت إسرائيل، في صيف العام 2006، بشن عدوان وحشي على لبنان، بدعم وتحريض سافر من واشنطن، لتصفية حركة المقاومة اللبنانية، المكوّن الثالث من جبهة الممانعة، القوة الضاربة لحركة شعوب المنطقة في التصدي لمختلف هذه المشاريع وإحباطها. وحينها، كانت كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية اﻷميركية آنذاك، واثقة بأن ذلك العدوان سيحقق أهدافه، فأعلنت في بيروت أن ما تحدثه الغارات الجوية اﻹسرائيلية من قتل ودمار مريع، إنما هو آﻻم المخاض للمولود الجديد - الشرق اﻷوسط الكبير- إياه. لكن مصير هذه المشاريع أصبح معروفا.
أما اليوم، وبعد توقيع الاتفاق بين الدول العظمى وإيران، فيمكن القول بأنه تدشنت آفاق واعدة لشرق أوسط جديد، تصنعه شعوب المنطقة ذاتها وبإرادتها الحرة. بل يمكن القول بأن الشرق اﻷوسط بعد توقيع هذا الاتفاق التاريخي مختلف عن الشرق اﻷوسط ما قبله.
لقد حاول الغرب اﻹمبريالي، بزعامة الوﻻيات المتحدة، ودعم وتحريض مهووس من إسرائيل وحكام السعودية، خلال إثني عشر عاما، من المفاوضات المصحوبة بمختلف أشكال التهديد والمقاطعة والعقوبات الشديدة وتجميد اﻷموال، أن يفرض على إيران ليس فقط التخلّي عن صنع سلاح نووي، وهو اﻷمر الذي كان يمكن اﻹتفاق عليه خلال فترة وجيزة جدا، ولكن تحديد وتقييد حركتها السياسية في المنطقة، وتحديدا التخلّي عن دعم القضايا العادلة في سورية والعراق وفلسطين ولبنان والبحرين واليمن وغيرها، هذا أوﻻ؛ وثانيا : التخلّي عن حقها في امتلاك التقنية النووية المستقلة. وحين تأكّد الفشل في إرغام إيران بالتنازل عن هذه الحقوق اﻷساسية، رغم كل هذه الوسائل، كان على واشنطن التراجع والتفتيش عن صفقة تحفظ ماء الوجه.
وحقيقة أن حكام إسرائيل والسعودية يقفون، من دون العالم كله، ضد هذا الاتفاق، إنما يعني أنهما الخاسران الرئيسيان منه؛ وبالتالي، ينبغي توقع أوﻻ- خطوات نوعية من التقارب بينهما؛ وفي هذا الصدد، صرّح شبتاي شافيت، الرئيس اﻷسبق لجهاز الاستخبارات اﻹسرائيلية (الموساد) في مقابلة مع “يو أس راديو” ونقلته صحيفة “جروزاليم بوست” بالقول: “لدينا فرصة فريدة لبذل الجهود ومحاولة تشكيل تحالف يضم الدول العربية المعتدلة بزعامة السعودية وإسرائيل، بغرض مواجهة القدرات النووية المحتملة ﻹيران في المستقبل، ولوضع نظام جديد في الشرق اﻷوسط”؛ وثانيا: ينبغي توقع رفع وتيرة سباق التسلح في المنطقة، وهو ما يستجيب لطموحات المجمع العسكري اﻷميركي. وفي هذا الصدد تعهّد الرئيس أوباما، في مقابلة مع الصحفي اﻷميركي المعروف توماس فريدمان، بتعويض إسرائيل بأسلحة حديثة متطورة والتصدي ﻷي “عدوان” إيراني عليها؛ أما بخصوص السعودية ومن يسير في ركابها فقال أوباما :“نحن مستعدون لتحسين القدرات العسكرية لهذه الدول، لكن عليهم بالمقابل أن يزيدوا من استعدادهم ﻹرسال قواتهم البرية لحل المشاكل اﻹقليمية”، في إشارة إلى الوضع في سورية.
وبهذا المعنى فأوباما يريد أن تتولّى الجيوش العربية عمليات التدخل في سورية واليمن والعراق وغيرها، بدل عصابات المرتزقة الإسرائيلية التي أثارت جرائمها المروعة الرأي العام، بينما ﻻ تحقق المهمة المطلوبة. أما غضب إسرائيل والسعودية على واشنطن، فلأنها بدلا من تصعيد المواجهة مع إيران حتى غزوها عسكريا، بحيث تستخرج لهما الكستناء من النار- كما يقال، ذهبت لتسوية معها. ولعلّ أكثر ما يقلق إسرائيل والسعودية هو أن هذا اﻹتفاق هو إقرار مدو من المجتمع الدولي بأن إيران هي قوة إقليمية عظمى، وبالتالي ﻻ يمكن تسوية أية مشكلة في المنطقة بمعزل عنها؛ وهذه المكانة ﻹيران هي بالضرورة على حساب مكانة إسرائيل التي تمتعت بها منذ انتصارها على الجيوش العربية في حزيران 1967؛ أما السعودية، فترى أن من تداعيات هذا الاتفاق تهميش وتقزيم نفوذها في المنطقة، أخذا في الحسبان أن اﻹفراج عن عشرات المليارات من اﻷموال اﻹيرانية المجمدة، وعودتها الكاملة إلى أسواق النفط والتجارة الدولية، ستضاعف من قدراتها على الدعم والمساعدة للقوى المناهضة لهيمنة الغرب وللعدوانية اﻹسرائيلة ولنفوذ الرجعية العربية. وهذا ما شدّد عليه بعد توقيع الاتفاق، مرشد إيران، علي خمينائي في خطبة عيد الفطر، التي أكد فيها أن ﻻ تخلّي عن مواجهة الغطرسة اﻷميركية أو التخلي عن دعم أصدقاء إيران في المنطقة.
أما خلاف واشنطن مع إسرائيل والسعودية فليس على الهدف وإنما على الوسيلة ؛ فاﻷولى توصّلت في ضوء فشل عدوانها على كل من أفغانستان والعراق من جهة، ومن الجهة اﻷخرى فشل الحصار والعقوبات على إيران ومقاطعتها، إلى ضرورة استبدال الوسيلة في التعاطي مع المشكلة اﻹيرانية وليس الغاية، التي تستهدف تغيير النظام في إيران بآخر موال على غرار نظام الشاه المقبور. بمعنى آخر، فواشنطن لم تتخلّ عن هدفها تجاه إيران وستركز جهودها بعد توقيع الاتفاق على محاولة أخذ اﻷخيرة من الداخل، على قاعدة: القلعة القوية تؤخذ من الداخل، وهو نفس النهج الذي تباشره واشنطن مع كوبا بعد اﻹعلان عن إلغاء الحصار والمقاطعة والعقوبات اﻷميركية عليها على مدى أكثر من نصف قرن؛ أي الرهان على عقد تحالفات مع قوى اجتماعية داخلية ذات طموحات خاصة تلتقي مع أهداف واشنطن في تغيير نظام البلدين، لكن مجرد هذا التحوّل في الوسيلة هو في حدّ ذاته إقرار بالفشل والهزيمة.
لقد انطلقت عملية التغيير ولن تتوقف، وحتى لو عرقل الكونغرس اﻷميركي إقرارالاتفاق مع إيران، فإن ذلك سيقتصر على الجانب اﻷميركي وحده، وسيحرم الشركات اﻷميركية من فرص العمل مع الاقتصاد اﻹيراني الواعد، بينما راحت الدول الغربية اﻷخرى تتسابق على إرسال وفودها الرسمية وعلى أعلى المستويات، مصحوبة برجال اﻷعمال إلى طهران، وكان السبّاق بينهم وزير الاقتصاد اﻷلماني ومعه جيش من رجال اﻷعمال اﻷلمان. ولن يكون في وسع واشنطن، بعد أن تبنى مجلس اﻷمن اتفاق فيينا المذكور، استصدار قرار جديد ضد إيران، حتى لو أرادت، في ضوء المتغيرات التي طرأت على عمليات الاستقطاب والفرز الدولية الجديدة. ويمكن الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية، المغيّبة، ستكون في طليعة الرابحين من هذا التغيير التاريخي.
عن موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة
25 جويلية 2015