لماذا يعدّ التدخل أمراً رجعياً

mercredi 11 octobre 2017
par  الجزائرالجمهورية-

إن عصرنا خصب بأبراج من الخدع الإيديولوجية. أحد أسوأ هذه الخدع- للأسف- هو تمرير فكرة التدخّل على أنها تقدمية. ترفع التدخلات الغربية شعار « حقوق الإنسان » من أجل تصفية- أو زعزعة- الحكومات التي لا تروق لدول حلف الناتو. إنها تستند بكل سرور إلى « الديمقراطية » من أجل انتهاك سيادة الدول الأخرى. حيث نرى رأسماليين يقدمون السلاح إلى « الثوار العرب » المزعومين وسط تصفيق منظمات اليسار الغربية المبتهجة بتقديم الضمانة التقدمية لعمليات المخابرات الأميركية.

إن هذه الحيلة غير ممكنة دون قمع معتبر، أي قمع المعنى الحقيقي لـ« الديمقراطية ». منذ 2500 سنة، كان أرسطو يقول إن « التشاور بين المواطنين لا يتعلق سوى بالقضايا التي تخصنا نحن وليس قضايا السيتيين (من الشعوب القديمة في الجزر اليونانية، كانوا يتكلمون لغة تعود إلى إيران الشرقية- من المترجم) ». هذا التجسيد الصلب للعقل السليم تمت تنحيته جانباً، وتمخضت الحداثة ما بعد الشيوعية فولدت « واجب التدخل » الغريب العجيب الذي يعطي السلطة لممثلي الخير في أن يسحقوا أتباع الشر باجتياز الحدود. رغم الصبغة الأخلاقية التي تم إضفاؤها على التدخل في شؤون الآخرين، فإن واجب التدخل يعني في الحقيقة الحق في سحق جارك حين لا يروق لك.

هذا « الواجب » المزعوم، الذي تمت صياغته في بداية سنوات 1990، كان الهدف منه شجب « النظرية البائدة حول سيادة الدول، والتي تم إضفاء القدسية عليها كغطاء للمجازر » (برنار كوشنر). هل هي بائدة، « سيادة الدول »؟ ليس تماماً. في الحقيقة، الأمر يتعلق بسيادة بعض الدول، ذنبها الوحيد هو الوقوف في وجه الهيمنة الغربية. بمزاوجته مصالح الدولة العميقة الأميركية، يقوم واجب التدخل بتسهيل دوران عجلة الأكاذيب من أجل تبرير المجازر الجديدة. إن واجب التدخل، هو المزاوجة بين الغدد الدمعية والضربات الجراحية الدقيقة، إنه يقوم بتحقيق نوع من المعجزة، حيث تتطابق مشاعر السخط الإنسانوية مثل السحر مع المخططات الإمبريالية.
ليس لحق الشعوب بإدارة شؤونها بنفسها أهمية تذكر، لأنه باسم « الديمقراطية » و« التقدم » يتم دفع السيادة الوطنية إلى الفخ. « بائدة »، يقولون لكم ! بالنسبة لأنصار التدخل، فإن « الإرادة العامة » تشكل جزءاً من تلك الخردة المتروكة لنقد الفئران القارض. ليس من شعبٍ حر إذا لم يقم هو باختيار القوانين التي يخضع لها، وما من أحد يمكن له أن يحل مكان الشعب اللهم إلا بالقوة. لكن هذه الدولة القوية الوصائية تعلم جيداً أن تلك الجماهير غير واعية بما هو جيد لها. إن النظام السياسي يجب أن يكون مرتبطاً بالرضا الشعبي، وليس بالتدخل الأجنبي؟ إن فاعلي الخير الإنسانيين، الواثقين بالفضائل التربوية لقاذفات ب 52 الأميركية، لا يكترثون لذلك.
الأمر بسيط : بانتهاكه السيادة الوطنية، يقوم التدخل الإمبريالي بنفي السيادة الشعبية. ويلغي حق الشعوب في تقرير المصير لكي تحل مكانه فريضة توجيه رسائل الشكر لأولئك الذين يقررون عنهم. يستبدل الديمقراطية المنبثقة من الشعب « بديمقراطية » النخب الفوقية المفروضة « بقوة السلاح » من قبل القوى الأجنبية. وعلى افتراض النية الحسنة (والأمر ليس كذلك)، فإن جوهر التدخل هو معاملة الشعوب التي يدّعي أنه هبّ لنجدتها على أنها شعوب قاصرة طائشة.
سوف يجيب البعض أن الجميع يمارسون التدخل، وأنه لا مجال لإدانة البعض أكثر من الآخرين. لكن ذلك خاطئ. لأن الولايات المتحدة قامت بالتدخل 50 مرة في دول أجنبية منذ سنة 1945، ومن الصعوبة بمكان المجاهرة بمثل تلك النسبية. تتم إدانة روسيا، لكن هذا البلد لديه 5 قواعد عسكرية في الخارج بينما لدى الولايات المتحدة 725 قاعدة، وميزانية روسيا العسكرية تعادل 8% فقط من ميزانية البنتاغون، وموسكو أخيراً، بخلاف واشنطن، لا تقوم بتمويل أية منظمة إرهابية، ولا تنقض أية معاهدة حول التسلح، ولا تفرض حصاراً على الشعوب، ولا تغتال أي رئيس دولة ولا تهدد أحداً بالحريق النووي.

في الماضي كما في الحاضر، كان التدخل هو السلاح الذي تستخدمه النخب المتشبثة بامتيازاتها. سنة 1790، حين كان اليعاقبة لا يزالون قوة جنينية، كانت الصحافة الملكية تضغط على الرؤوس المتوجة من أجل التدخل لإنهاء الثورة. كان الناشر الإنكليزي إدموند بيورك يبشر بحملة صليبية يقوم أبطالها « بالثأر من الإهانات والإساءات التي لحقت بالجنس البشري ». ويقول إنه من الواجب الأخلاقي للملكيات الأوربية أن تضع حداً مرة واحدة وللأبد لأمة مضطربة ومؤذية« . كان تهديد دوق برونشفايك بـ »تدمير باريس" وغزو أراضي الجمهورية من قبل جحافل التحالف استجابة لذلك النداء.

لقد عانت جمهورية السوفييت الفتية، التي تمت محاصرتها من كل الجهات، من نفس المصير منذ سنة 1917 وحتى سنة 1921. وعلى غرار الجمهورية الفرنسية في عام 1793. خرجت منتصرة من حرب شرسة خاضتها ضد العدو الداخلي والخارجي. أما الجمهورية الإسبانية التي أقامتها « الجبهة الشعبية » فلم يكن لديها نفس النصيب من النصر إذ تم سحقها بواسطة آلة الحرب الفاشية. الفييتناميون والكوبيون، بدورهم، خاضوا نضالاً قاسياً من أجل التصدي لإمبريالي قام بتصفية العديد من الحكومات التقدمية، من مصدق و لومومبا إلى سوكارنو، وغولار وسلفادور الليندي. لم يقدم التدخل، السلاح المفضل لدى الطبقات المسيطرة، أية خدمة للشعوب أبداً.
ولذلك، فإن لدى التقدميين العديد من الأسباب لإدانته. يجب عليهم الإصغاء لما قاله روبيسبيير، الذي كان يتفجر غضباً ضد « الهوس بجعل أمةٍ ما حرةً وسعيدةً بالرغم عنها »، مذكراً أن « باريس ليست عاصمة الكون » وأنه « ما من أحد يحب المبشرين المسلحين ». إنه هو، ممثلاً الجناح اليساري للبرجوازية الثورية، من كان يؤكد أن أوروبا لن تخضع عن طريق « المآثر الحربية » بل عن طريق « حكمة قوانينا ». إنه روبيسبيير، المعادي للعبودية، المناصر للاقتراع العام وللقوانين ضد الفقر الشديد، وليس الجيروند المتاجرين- الأعزاء على قلب ميشيل أونفراي- الذين كانوا يحلمون بملأ جيوبهم بإخضاع دول الجوار.

إن التدخل رجعي،لأنه يتميز بالدوس على إرادة الشعوب. ولا يمكن لأية فلسفة حول الظروف المخففة، ولا لأية ديانة حول حقوق الإنسان أن تجعله يسطع ولو رشت عليه الماء المقدس. لا فائدة من الكونية إن لم نطبقها على أنفسنا، وليس لإعطاء الدروس للآخرين. لا فائدة ترتجى من اليمين، لأنه ينتهي دوماً بالخضوع لسلطة المال. لكن على من بقي من « اليسار » الغربي أن يستفيد من دروس التاريح. يقول إنجلز « لا يمكن للبروليتاريا الظافرة أن تفرض السعادة على أي شعبٍ آخر من دون أن تقوض انتصارها » ، ويؤكد لينين على الضد من رفاقه الماركسيين على « حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها » في جميع الظروف.


Navigation

Articles de la rubrique

  • لماذا يعدّ التدخل أمراً رجعياً