مأزق القيادة الفلسطينية والمجلس الوطني

بقلم: نعيم الأشهب 07 سبتمبر 2015
الخميس 10 أيلول (سبتمبر) 2015

في أول تقرير للأخ أبو مازن، مهندس اتفاق أوسلو، أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، لخص هذا الاتفاق بأنه يمثل أحد احتمالين: إما أن يؤدي إلى الدولة الفلسطينية المستقلة أو يؤدي إلى الجحيم. أما وقد مضى على هذا التقييم أكثر من عشرين عاما والدولة المستقلة أبعد من أي وقت مضى، فأي الاحتمالين سالفي الذكر يتحقق على الأرض ؟.
والمفارقة المأساوية أنه برغم الإدراك، من البدء ، أن الدولة المستقلة مجرد احتمال ، كانت أولى خطواتنا، في التعاطي مع هذا الاتفاق، هو وضع العربة أمام الحصان! أي إقامة جهاز الدولة قبل تحرير شبر واحد من أرضنا المحتلة، يحرّكنا الوهم القاتل بأننا حين نخلق أمرا واقعا على الأرض، نفرضه على الطرف الآخر، متجاهلين تماما دروس التاريخ التي تؤكد أن من يفرض الأمر الواقع ليس الطرف الضعيف، وإنما القوي.
ويبدو أن هذا الوهم المدمر كان يسيطر على عقولنا حين شرعنا في إقامة بيروقراطية دولة الفاكهاني في بيروت. وحين جرى إرغامنا على ترك بيروت حملنا هذه البيروقراطية عبئا على ظهورنا، قسمها المدني إلى تونس، والعسكري إلى مواقع أخرى في العالم العربي. وبالتالي، لم يتجاوز الأمر، بعد أوسلو، مجرد نقل هذه البيروقراطية الجاهزة إلى الداخل ، برضى الاحتلال الذي كان يدرك الأبعاد الخطيرة لهذه العملية المتسرعة على المشروع الوطني الفلسطيني. وفي الداخل، جرى تطعيم وتوسيع صفوف هذه البيروقراطية .
ومنذ اللحظة الأولى بدا المأزق الناجم عن تشكيل جهاز دولة قبل تحرير شبر واحد من الأرض المحتلة وقبل تأمين مصادر مستقلة ومضمونة لنفقاته. واليوم، أردنا أو لم نرد ، وعينا أم أغمضنا عيوننا متجاهلين، تغيّرت المعادلة رأسا على عقب ، وتحوّل الهم ّ والاهتمام الأول ليس الخلاص من الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة ، وإنما تأمين فاتورة آخر الشهر لتمويل هذا الجهاز الذي أقيم قبل أوانه وتضخم أكثر من الحاجة، وراح الفساد ينخره، منتجا شريحة من “القطط السمان”، شعارها:“اللهم أدمها من نعمة ولو في ظل الاحتلال”، كما عزّز هذا الفساد نهج السلطة الاقتصادي - الاجتماعي الذي أسفر عن اتساع وتفاقم الفوارق الاجتماعية أكثر بكثير مما كان عليه في ظل سلطة الاحتلال المباشر، مع أن المفروض العكس وأن تكون أولى خطوات القيادة بعد دخولها ارض الوطن، تقليص الفوارق الاجتماعية، تعزيزا للصمود في أرض الوطن، سلاحنا المقرر في المعركة مع المشروع الصهبوني .
أما مصادر تمويل جهاز السلطة، فمعروفة: الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج النفطية. وهؤلاء لهم شروطهم المعروفة، والتي لا تحتاج لشرح. أما المداخيل من المقاصة الفلسطينية فهي، بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، رهينة بيد إسرائيل تستعملها كسلاح ضد السلطة الفلسطينية إذا خرجت عن المسار المطلوب.
والمفارقة الثانية أن هذه القيود وارتهان الإرادة السياسية لفاتورة آخر الشهر لم تقتصر على السلطة وعمودها الفقري تنظيم فتح، وإنما تمتد وتغطي بقية فصائل منظمة التحرير، التي تتلقى، كاستحقاق، بعض الفتات المالية من الفاتورة إياها. فقد كيّفوا أنفسهم، مكاتب ومتفرغين وغيره، على أساس هذه المداخيل، التي ينبغي أن ينالوها كحقوق مقننة وغير مشروطة بالمطلق؛ لكنها غدت “حقوقا” مرهونة بمزاج القيادة. وبهذا غدت قيودها امتدادا لقيود القيادة الفلسطينية، مما، أصابها بالعجز والعقم، وغدا نشاطها محصورا في إصدار البيانات إلى حد بعيد.
وماذا بخصوص منظمة التحرير الفلسطينية؟
لقد فرض هذا المسار المغلوط والخطير للقيادة الفلسطينية، ومنذ الخطوة الأولى، نقل وتركيز كل الصلاحيات إلى أيدي سلطة أوسلو .. وفرض بالمنطق العملي إهمال وتهميش منظمة التحرير، وكأنها أنجزت مهمتها التاريخية في الخلاص من الاحتلال وإقامة الدولة الوطنية المستقلة؛ كما تجاهل هذا السلوك الشاذ حتى تجربة العدو ذاته. فالوكالة اليهودية لم يجر إهمالها حتى اليوم وبعد قرابة سبعين عاما على قيام دولة إسرائيل، حيث ما تزال تعمل في مجال تحفيز الهجرة اليهودية إلى إسرائيل ودعمها بكل الوسائل.
أما الحصيلة المنطقية لهذا الإهمال والتهميش للمنظمة ومؤسساتها، على مدى أكثر من عقدين من السنين، فكان تحوّل المنظمة إلى مجرّد “أيقونة”، يجري تذكرها لا كقيادة للنضال الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج، وإنما لمهام تخدم السلطة والقيادة الفلسطينية ، وبخاصة حين تكون في مأزق. ومعلوم أنه جرت دعوة المجلس الوطني عام 1996 لتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، بناءا على طلب الرئيس الأميركي كلينتون. واليوم، تجري الدعوة لانعقاد هذا المجلس، بمن حضر، لا لصياغة استراتيجية جديدة للنضال الفلسطيني بعد الفشل الكامل لاستراتيجية المفاوضات، ولا لمعالجة قضية الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام المدمر، والذي خلق مع مرور السنين عليه، قوى لدى الطرفين مستفيدة من وقوعه واستمراره، عدا الاحتلال الرابح الأكبر من ذلك، وإنما الدعوة لمحاولة إنقاذ القيادة من المأزق الذي تعيشه هذه الأيام ، واستعادة هيبتها التي تتآكل.
فهذه القيادة تعيش ،اليوم، فراغا قاتلا، بعد فشل المفاوضات العبثية وتوقفها، وهي الأداة الوحيدة التي تصرّ القيادة اعتمادها في التعامل مع الاحتلال؛ ومن جانب آخر، تواجه هذه القيادة تفاقم مأزق الانقسام واحتمالات عقد صفقة طويلة الأمد بين قيادة حماس وسلطات الاحتلال، وتكرس الانقسام وتحوّله إلى حالة نهائية ودائمة؛ ومن جانب ثالث تواجه القيادة الفلسطينية التحدي المتفاقم لنشاط كتلة دحلان المدعومة من دوائر خليجية وغيرها؛ ومن جانب رابع، تواجه هذه القيادة تفاقم الصراعات، إلى حد اللجوء للسلاح، داخل فتح وبين كتلها المتباينة، وما جرى في بلدية نابلس ومن قبلها المواجهات المسلحة في مخيم بلاطة إلا نماذج من هذه الصراعات .
وإذا كان الغرض من دعوة المجلس الوطني للانعقاد هو تجديد شرعية القيادة، في مواجهة هذه الأزمات، فان هذا المجلس نفسه يحتاج إلى تجديد شرعيته وإعادة الحياة إلى عروقه التي جفت، بعد أن مضى على توسيعه أكثر من عشرين عاما، ناهيك عن تاريخ تشكله بهذه التركيبة؛ وبالتالي، ففاقد الشرعية لا يمنحها ؛ هذا أولا وثانيا ، أن تجديد الشرعية الدستورية التي تسعى القيادة الفلسطينية وراءها، مفتعلة ولا قيمة لها ، في غياب الشرعية الكفاحية، التي فرّطنا بها ونفتقدها اليوم كحركة تحرر وطني. وفقدان الشرعية الدستورية بسبب التقادم، وفقدان الشرعية الكفاحية، ينسحب على جميع مؤسسات منظمة التحرير بما في ذلك اللجنة التنفيذية، التي لم تعد أكثر من “ختم كاوتشوك” ؛ وبرغم ذلك يبدو أن القيادة تطمح إلى المزيد من تطويعها وتحديد شخوصها، مع أن عناصرها والتنظيمات التي تمثل فقدت الكثير – إن لم يكن كل – جذورها بين شعبها .
اما المنظمات الجماهيرية ، كالنقابات العمالية والمهنية والنسائية والطلابية، فقد تحوّلت، بدورها، إلى قشور بيروقراطية بلا قواعد جماهيرية، وعلاها غبار التقادم والترهل، شأنها شأن بقية مؤسسات منظمة التحرير. ولو كانت هذه المنظمات الجماهيرية في حالة صحية لشكلت القوة الضاربة للمجتمع المدني، الذي يوازي قوة السلطة التنفيذية ويشكّل رقيبا شعبيا على أدائها، والأهم من ذلك، لكانت تشكل في حياة شعبنا، اليوم، القوة الشعبية المنظمة والمؤثرة في المعركة ضد الاحتلال، ولحددت - أي منظمات المجتمع المدني الوطنية - ان لم تسدّ الطريق على غزو المنظمات غير الحكومية، أداة العولمة الرأسمالية في عرقلة واعتراض تشكل المجتمع المدني الوطني ، في بلدان العالم الثالث ، وإجهاض دوره النضالي الفعال في حياتها.
وإذا كانت الوثيقة التي نشرتها صحبفة “الأخبار” اللبنانية في 12 أوت المنصرم صحيحة، وأنها من مكتب اللواء ماجد فرج، وتتضمن ضمن قضايا أخرى بحثت في لقاء ثلاثي ضم الأخ أبو مازن وماجد فرج وصائب عريقات، الفقرة التالية: “.. وكانت ثمة شكوى أخرى من أن الإسرائيليين بعد كل ما قدمناه، هم الآن غير مقتنعين بنا، وأخذوا قرارا بإنهاء حقبتنا...”، إذا كانت هذه الوثيقة صحيحة، ولا سيما أن المعنيين لم ينفوها، فهي تثير الدهشة بقدر ما تثير السخرية. فالجانب الفلسطيني ملتزم بكل ما نصت عليه اتفاقات أوسلو وعلى رأسها التنسيق الأمني، الذي غدا نوعا من حراسة الاحتلال، بينما الطرف الإسرائيلي تخلّى عن جميع التزاماته في هذه الاتفاقات. والجانب الفلسطيني، ملتزم بأن لا يسمح باندلاع انتفاضة جديدة ويتمسك بخيار المفاوضات رغم إفلاسها المدوي، وحتى مع نتنياهو نفسه، رغم التزامه الصادق عشية الانتخابات الإسرائلية، بأن دولة فلسطينية لن تقوم ما دام رئيسا لوزراء إسرائيل، فما عسى الاسرائيليون يريدون فوق كل ذلك ؟!.
والخلاصة، فانعقاد المجلس الوطني أو عدمه، وتغيير الوجوه في اللجنة التنفيذية أو عدمه، لن يحلّ مأزق القيادة الفلسطينية، بل من المتوقع تفاقمه، بتفاقم أسبابه. بمعنى آخر، ليس من سبيل إلا بتغيير كامل النهج الجاري، وتبني استراتيجية كفاحية بديلة؛ وفي إطار ذلك، إعادة الاعتبار والفعالية والصلاحيات لمنظمة التحرير، كقائدة لنضال الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولو تطلب ذلك تواجدها في الخارج من جديد، بعيدا عن ضغوط الاحتلال ورقابته. أما السلطة التي ينبغي إعادتها إلى حجمها الحقيقي، في تسيير حياة سكان الأراضي المحتلة، التي قبلنا تحمّلها نيابة عن الاحتلال، فقد غدا وجودها مشكلة، كما أن حلها بدوره مشكلة.
عن موقع حزب الشعب الفلسطيني
10 سبتمبر 2015


Navigation

Articles de la rubrique