مؤامرات واشنطن ضد سوريا مصيرها الفشل

السبت 2 أيار (مايو) 2015
par  االجزائر الجمهورية

أخيرا أخذت واشنطن تنتقل من السر إلى العلن في مراجعة سياستها في المنطقة، فبعد أن صمت الآذان بتصريحات مدوية بأن الأسد فقد شرعيته، وأنه لم يعد له مكان في أية تسوية قادمة، هاهو جون كيري، وزير خارجيتها، يصرح في منتصف الشهر الحالي، بأنه يتحتم على واشنطن في نهاية المطاف، أن تتفاوض مع النظام السوري، وفي نفس الوقت أدلى مدير المخابرات المركزية الأمريكية بتصريح في نفس الاتجاه قائلا بأن سقوط نظام الأسد يعني فتح الطريق أمام داعش للسيطرة على سوريا. قطعا، ليس هذا تماما ولا الأساس، في تراجع الولايات المتحدة عن سياستها السابقة. ومع ذلك فمن الواضح أن مثل هذه التصريحات تدل على اعتراف واضح بفشل المخططات الإمبريالية الأميركية الرامية إلى إخضاع سوريا، على النحو الذي خططت له مع أتباعها ي المنطقة. أما الادعاء بأن الولايات المتحدة تفضل الخيار على بقاء النظام الحالي في سوريا بدلا من منظمة داعش الإرهابية، فهو مجرد كذب وبهتان تفنده الوقائع الملموسة، سواء أكان ذلك في سوريا أو في العراق. إذ الواقع أن واشنطن تريد استخدام ورقة داعش في الحالتين معا: أي في حالة انتصارها أو في حالة فشلها على حد سواء.

ومن المعروف أن سوريا كانت قد تعرّضت، منذ سنة 2011، إلى مؤامرات كبيرة من قبل الإمبرياليات الغربية. ويمكن أن نورد في هذا السياق ثلاث مؤامرات، بقيادة واشنطن وبالتعاون النشيط مع الأنظمة الرجعية في المنطقة، وبصفة خاصة دول الخليج وتركيا وإسرائيل. وتولت الإمبريالية الأمريكية الإشراف على تنفيذ هذه المخططات التآمرية. وفي هذا الصدد، تم إسناد قيادة تنفيذ المؤامرة الأولى، ، إلى الشيخ حمد بن جاسم، وزير خارجية قطر السابق ورئيس وزرائها، الذي أخذ يصول ويجول، بمحفظته الممتلئة بالدولارات، لشراء الذمم وتجنيد المرتزقة للقتال ضد النظام القائم في سورية. ويرافق هذه الحملة سيل من التصريحات، من مختلف الجهات المتورطة في التآمر على سوريا، بهدف إسقاط نظامها القائم، خلال أيام أو أسابيع معدودة. وحين استنفد الشيخ حمد عميل الإمبريالية الأمريكية مهمته بفشل ذريع، حيكت المؤامرة الثانية، وهذه المرة أسندت المهمة إلى الأمير بندر بن سلطان، مدير المخابرات السعودية في ذلك الوقت. وجرّب الأمير بندر حظه التآمري، ولكن الخاتمة كانت كسابقتها، حيث لم يحصد في النهاية سوى الفشل. حينئذ جاء الدور على المؤامرة الثالثة، التي كانت من نصيب التنظيم الإرهابي داعش، حيث قدمت واشنطن له مختلف أشكال الدعم، علّها تفلح فيما عجز الآخرون عنه، مع توسيع ساحة نشاطها لتشمل إلى جانب سوريا العراق أيضا.

في البداية جند الأمريكان منظمة داعش لضرب الجيش العراقي في الموصل، حيث استطاعت خلال أسابيع معدودة احتلال رقعة جغرافية كبيرة تجاوزت آلاف الكيلو مترات، مرفوقة بدعاية إعلامية غير مسبوقة حول قوة داعش التي لا تقهر، ومتبوعة بنشر إعلامي واسع حول جرائمها الوحشية والمروعة، الهادفة إلى شل أية مقاومة ضدها. وفي الوقت نفسه شعرت واشنطن بالاطمئنان من عجز الجيش العراقي عن الوقوف في وجه هذا الإعصار الإرهابي البدائي الفظيع، إذ بعد تفكيك الجيش العراقي في إطار اجتثاث مؤسسات النظام السابق، قام الحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر، بإعادة تشكيله على أسس طائفية وعرقية.

ولإكمال هذا المخطط التآمري، كفت واشنطن، عن تزويد الجيش العراقي بالمعدات العسكرية التي دفع ثمنها مسبقا، ولا سيما طائرات الآف16 ومروحيات الأباتشي لمقاتلة داعش، في حين تلقت هذه الأخيرة المزيد من السلاح والعتاد من الإدارة الأمريكية بوسائل ملتوية.

ورغم هذا الدعم المخاتل ومحاولة تحويل الجيش العراقي عن مهامه الهادفة إلى مكافحة داعش، فقد سقطت الأقنعة وفشل الرهان الذي نسجته الإمبريالية الأمريكية بالتعاون مع أعوانها في المنطقة، حيث لم تستطع أن تحقق ما عجز عنه الآخرون. ففي العراق وجه الجيش العراقي ضربات مؤلمة للتنظيم الداعشي، ومن جهة أخرى تحملت إيران عملية تزويد الجيش العراقي والمقاومة الوطنية العراقية بما يحتاجان إليه من أسلحة وعتاد، الأمر الذي أدى إلى تحقيق انتصارات ملموسة على داعش التي كانت تتدعم بأسلحة آتية من الولايات المتحدة والدول الرجعية في المنطقة، كما قامت موسكو بإمداد الجيش العراقي بعشر طائرات سوخوي ومروحيات قتالية من طراز حديث، ما أدى إلى أن حلت بداعش وقوع نكسات قوية، هذه النكسات التي بدأت تصيبها لأول مرة في عين العرب السورية. وهكذا يتضح أن واشنطن قد استفرغت كل ما في جعبتها من أدوات لكسر إرادة شعوب المنطقة- وخاصة الشعبين السوري والعراقي- وإخضاعها لمشاريعها الهيمنية. وإذا كانت واشنطن قد توصلّت – من خلال تجربتها- إلى تأكيدات مفادها فشل رهاناتها، فإنها ماتزال تبذل كل جهودها لدعم بقايا هذه العصابة الدموية، لا سيما بعد أن انضوت تحتها أسماء عصابات إرهابية في مختلف البلدان العربية المستهدفة من قبل واشنطن.

وإذا كانت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ومدير المخابرات المركزية الأمريكية سالفة الذكر تشكل اعترافا بسقوط رهاناتها على كل الجبهات، فإن هذه التصريحات، ظلت ترمز إلى تطلع الولايات المتحدة إلى توظيف سقوط هذه الرهانات، ومنها سقوط رهان داعش، لتغطية فشلها المتكرر في كسر إرادة الشعبين السوري والعراقي وغيرهما من شعوب المنطقة، وخاصة، حين تدعي واشنطن، نفاقا، أنها تؤثر بقاء النظام الحالي في سوريا على داعش، كما تعبر هذه التصريحات، في الوقت نفسه، عن طموح واشنطن إلى التدخل، بوسائل أخرى، من أجل حصد نفس النتائج والأهداف. وهو طموح لن يتحقق أبدا، لأن مستوى وعي شعوب المنطقة قد ارتفع ولأعد تأييد حلفاء سوريا بالتدخل العسكري.

ومهما يكن من أمر، فإنه يجب تفسير فشل المؤامرات الأمريكية المحبوكة إزاء سوريا، في إطار التطورات الجديدة التي عرفتها المنطقة، ومنها الاحتمالات بإمكانية تحقيق اتفاق حول الملف النووي الإيراني، فهذا الاتفاق، إن تم، سيشكل أيضا هزيمة وتراجعا للسياسة الأمريكية في المنطقة، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن واشنطن لم تكن تهدف من وراء المفاوضات الماراطونية حول الملف النووي الإيراني شل السلاح النووي المزعوم، بل يتمثل هدفها الحقيقي في تحييد إيران حول القضايا الرئيسية في المنطقة.

ولذا تكمن التصريحات الأمريكية سالفة الذكر، فضلا عن الاحتمالات المتزايدة حول نجاح الملف النووي الإيرائي، في إطار حدوث سمات مرحلة جديدة في المنطقة. وإذا تجسدت هذه السمات الجديدة على ارض الواقع، فإن من نتائجها الملموسة يمكن تحول شعوب المنطقة من الدفاع إلى الهجوم تجاه التدخلات الإمبريالية. وهذه الاستنتاجات بالذات هي سر جنون القوى الإمبريالية وأعوانها في المنطقة، وخاصة حكام إسرائيل والخليج وتركيا.

.

حامد ربيع

25 مارس 2015