ما توحي به معاودة ظهور الكوليرا

dimanche 30 septembre 2018
par  الجزائرالجمهورية-

و باء الكوليرا الذي انطلق منذ 07 آب في بعض الأماكن بولاية البليدة يبدو و أنه قد احتجز بضم التاء و للعلم فإن الخبر كان من جهات رسمية بوزارة الصحة.

مآتا(200) شخص ظهرت عليهم أعراض و كانوا مشتبهين قد أودعوا مستشفيات و مراكز خاصة بالقطار بالعاصمة و ببوفاريك. وسبعون حالة إصابة أخرى بالكوليرا قد تم التعرف عليها من خلال إحصائية موجهة من بداية سبتمبر الجاري. وغير بعيد عن الشخصين المسنين و المصابين بأمراض حيث صحتهما المعتلة لم تسمح لهما بمقاومة الجرثومة البكتيرية لهذا الداء كباقي المرضى كانوا منه سالمين و نشير أيضا عن حالات من هنا و من هناك لمشتبهي مرض تم إدخالهم المستشفى بفعل الإسهال.

المواطنون قد عاشوا شهرا من الإنشغال. قنوات تلفزيونية خاصة وصحافة مكتوبة متعطشة لمثل هذه المعلومات الحصرية كي تزيد من عائدات شيكاتها ومن أرقام مبيعاتها قد ساهمت في زرع الرعب بين المواطنين . الوباء قد تحدد موضعه كان واقعا لكن المقالات ذات الإنذار المبالغ فيه وبإرادة من مؤلفيها بغرض تصفية حسابات مع نظام زائل بحجة كتمان هذا الآخير للخبر الناقص والمستور وخصوصا من الحكومة قد أحدث هذا مناخا من الهلوسة.

الخدمات الصحية و مؤسسات المياه و الزراعة كانت عاجزة عن إعطاء المجتمع الأخبار و المتطلبات اللازمة في مادة النظافة لوقف انتشار الوباء. فمراقبوهم في عالم الصحافة و في الجرائد ذات الطبع الكاسح والنسخ المرتفعة لم تسطع فعل الأحسن وهم مجرورون إلى مزايدات كي تؤذي الأشخاص من هذا النظام الذي و مع ذلك فهو مستحق له دون اهتمام من مدى انتشار الخوف غير العقلاني الذي يتقاسموه مع الشعب ولم يكن ذلك إلاّ في فائدة التجار المسوقين للماء المعدني ذي الأسعار المرتفعة.

فيضان من اللاعقلانية، حيث نرى أشخاصا يفضلون التزود بالماء من المساجد بدلا من شرب ماء الحنفيات في بيوتهم على الرغم من أن ماء البيوت و ماء المساجد من نفس الشبكة. الصحفيون المنتمون إلى هذه الفئة من الجزائربين المرعوبين تلقائيا حيث الاختلال النفسي سوداوية الأمال للواقع المحطم للوطن و هم يفكرون في إصابة رجال النظام بتعاطي ذلك مع ا لسعادة في القلب. أحدهم بلغ درجة أن زرع القلق في بلدان الجوار كتونس التي التهبت من الخبر أن الكوليرا تسربت إليها من الجزائر.

تونس في استنفار من انتشار الكوليرا (الوطن 1 سبتمبر) نتائج غريبة أثر هذه الحملة المسعورة لم تصب فقط منطقة الشرق بل الشمال الغربي و تحت وقع القلق مسؤولوا الصحة لمطار صغير باربينيان فرنسا منعوا مسافرين في طائرة قادمة من وهران مغادرة المطار قبل الخضوع للفحص المبين لأعراض الكوليرا.

ولقد أدّى القطاع الصحي العمومي دورا ملائما في الحجر على الوباء ورغم استيلاء رجال النظام عليه منذ عقود و كانوا ذووا هدف استحواذي لخصخصة كل شي بما في ذلك الصحة.

من جهة أخرى، الشبكة العمومية لمد العون بالماء الصالح للشرب والخاضعة لمراقبة دورية كانت سدا منيعا ضد انتشار البكتريا.
معاودة ظهور الكوليرا قد عكس، مثل قطرة ماء، الحالة البيئية للمجتمع الجزائري و لطبيعة نظامه السياسي الطبقي. وقد ذكرت بأن الخوف من الكوليرا لا يجب أن ينسينا أن المواطن قد اعتاد دون تفاعل لمصادر أوبئة أخرى أكثر تخويفا . ومن رأي الجميع فليس من الضروري أن يكون طبيبا مختصا من يريد ملاحظة أخطار معاودة ظهور بعض الأمراض الخطيرة مثل التيفوييد التي لا يمكن تفاديها مادامت الأوساخ المتراكمة في أكوام كالجبال من القاذورات المنتشرة في كل زوايا الشوارع للوطن باستثناء الأحياء الراقية. وظلت الصحافة محدودة النظر في مهاجمة الاتصال لممثلي الدولة حول أسباب تفشي الوباء و كانت التعاليق التي تنشطها رؤى ضيقة و موالية قد ظلت سطحية و بالمثل فمن اللازم وضع حد لسلطة بوتفليقة حتى تتمكن الدولة من العثور على مقدراتها لإزالة الحضور المنفر و الممل للنفايات.

فمنذ عقود والسلطات لا تسمح للمسؤولين المحليين بالحصول على الوسائل المالية اللازمة لجمع القاذورات يوميا غسل وتنظيف الشوارع و الأحياء ورغم المداخيل المحدودة والقليلة لعمال هذا القطاع فهو يقوم بكل ما في وسعه منذ السنوات الأولى التي تلي الاستقلال.
و منذ ثمانينات القرن الماضي فسح النظام الطريق أمام المقاولين الفرعيين الخواص ينتظر منهم النزاهة المعجزية التي لم تحصل أبدا. فالبلديات لم تحصل لا على القوى العاملة و لا على الوسائل المادية لصيانة النظافة وما يلحق بها. الأسباب؟ التحول إلى الرأسمالية سمح بأولوية السبق في فائدة استهلاك الأقلية للمواد الفاخرة لدى الطبقات الميسورة التي تشكل القاعدة الاجتماعية للنظام منذ بداية الثمانينات.

إنها عربدة في الاستهلاك ممولة بتوزيع الموارد البترولية في فائدة الطبقات التي أقصت تمويل الدولة للمسألة الصحية و الحكمة في كل ما يتعلق بالعامة. هل النظافة الصحية أولى أم بناء سكنات فاخرة واستيراد أرقى أنواع السيارات غير الضرورية؟ هذا السؤال جد مهم إنه سؤال اختيار ووضع الناس منازلهم.

ولقد مر هذا السؤال خلسة وبصمت مطبق في كل الانتقادات الليبيرالية للنظام، صمت لم يسلم منه رؤساء الأحزاب ومحررو الصحف المكتسبون تحت تأثير ادعاءات الرأسمالية. والسؤال جدي يقتضي الجواب في إطار من التعريف لسياسة المجموعة بالنسبة للقوى العاملة والمجمعات العمرانية ذات العدد المتضاعف بالضرب في عشرة منذ الاستقلال.

في 1960 كان عدد سكان المدن قد ارتفع بالكاد إلى ثلاث ملايين ساكن لكن إحصائيات 2008 قد بينت الإنفجار السكاني أكثر من 29 مليونا يعيشون في مناطق عمرانية مركزة. عشرة سنوات من بعد، في 2018 العدد من دون رفض معرفة ا لحقيقة كان أيضا أكثر ارتفاعا.

فهذا التطور الصاعق يعطي صورة واضحة لمشاكل عملاقة إنه تحدي ذو شمول يقتضي تعريف الأولويات في إعادة توزيع المواد للحفاظ على الصحة العمومية. ويفرض بناء نظام إنتاج الثروات المادّية و التوزيع العادل لها مع الأخذ يعين الاعتبار الطابع الحيوي للاحتياجات الجماعية للمجتمع العمراني حيث أفراده يتنقلون و بصورة مستمرة في شبكات النقل الخاص، الفردي و الجماعي منذ ما يقارب نصف القرن.
ومع الأسف فالجهاز الإنتاجي للبلد أساس الحياة المادية و الذي عرف قفزة نوعية في 1970 في إطار من القطاع الاستراتيجي العام قد عرف نهبا محققا في 1981 و على الخصوص منذ الإصلاحات التي جرت في 1987-1990 و التي كانت في صالح المستوردين أصحاب المصالح.

لدرجة أن القطاع الصناعي العام ينتج اليوم أقل مما كان ينتجه منذ أربعين عاما و النتيجة الوحيدة من هذه الإصلاحات كانت فسح المجال للاقتصاد الحر و التجارة الخارجية مما تسبب في ثقب قناة الاقتصاد الوطني للفرار برؤوس الأموال و الخفض من قيم الضرائب التي لا يدفعها إلاّ غير الأجراء ليحرم بذلك الدولة من الانتفاع بالضرائب و مصادرها دون أن نتكلم عن الغش الضريبي و الولادة بالصدمة العاكسة للأنانية الأكثر جموحا ثم الاستخفاف للقواعد الجماعية للحياة في مجتمع عصري.

ومن المظاهر المتسببة في الثورة من هذه الذهنيات الطفيلية هو سلوك التجار الشكليين الذين لا يدفعون قرشا واحدا للبلديات وهم يتركون لهذه مسؤولية جمع كثبانهم من النفايات المتروكة آخر النهار على الأرصفة و في الشوارع. و عندما نعلم أن هؤلاء التجار الشكليين مدعومون من كبار المستوردين المنضوين تحت لواء أرباب الفساد في أعلى هرم السلطة و ما يحدث فيها من تبادل المصالح من تحت لتحت و ما يصل جيوب هؤلاء المكاسين ( موظفوا الرسومات.) في الزمن الجديد يتضح لنا من خلال ذلك أن المشكلة ليست مشكلة النظام بالمعنى الفريق المنصب في الدولة من طرف بوتفليقة لكن مشكلة المنظومة الاقتصادية ومن وراءها مهما يكن الشخص المنصب على رأسها و مهما يكن عمره أو حيويته العقلية و الجسمانية في عالم اليوم المحكوم بالنظام الامبريالي الرأسمالية الجزائرية المرتبطة بتقسيمها الدولي للعمل لن تكون الحل حتى و إن عوض بوتفليقة ببن فليس أو بن بيتور أو جيلالي سفيان و مرافقيه و أن هذه الواجهة لهذه الرأسمالية ستكون أكثر لياقة و أكثر ديمقراطية. في هذا العالم كيفما هو لا كيف يصوره لنا الليبيراليون ومحرروهم في الصحافة المعربة أو المفرنسة و الذين يعتقدون أنه دائما من الممكن سلك نفس الطريق المسلوكة من قبل من طرف أقدم البلدان الرأسمالية كي، مثلما يفكرون، نبلغ موقف الحياة الحالية في هذه البلدان و درجتهم في التنظيم و ليس ثمة من مكان إلا لنظام بمصالح تخدم الطبقات الكادحة في الوطن مؤسس على صدارة القطاع العام المسير ديمقراطيا في إطار من التخطيط المركزي.

تحرير وطنييي