مثل أكتوبر برهان ملموس على أن الاشتراكية هي وحدها التي تقود إلى خلاص البشرية من البربرية الرأسمالية

الاثنين 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

تمهيد
عرف العالم في 7 نوفمبر 1917 (التوقيت الجديد) أكبر عملية سياسية واقتصادية واجتماعية في روسيا، حيث أعلن المؤتمر الثاني لمجالس سوفييتات العمال والفلاحين والجنود في روسيا، الإطاحة بالنظام البرجوازي القائم وإحلال النظام الاشتراكي في البلاد محله، أي الإعلان عن قيام الثورة الاشتراكية للعمال والفلاحين، أو الثورة الاشتراكية العظمى.
وفي اليوم التالي أعلن قائد الثورة فلاديمير إيليتش لينين في نفس هذا المؤتمر عن مرسوم السلام، الذي عرف بمرسوم السلام اللينيني، خروج روسيا من الحرب الإمبريالية (أي الحرب العالمية الأولى) وأدان هذه الحرب التي تعتبر أكبر جريمة ضد الإنسانية، وبذلك نفذ لينين والبلاشفة المطلب الأول للجماهير البروليتارية التي كانت ترى انه يجب إخراج روسيا من هذه الحرب التي تسبب ضررا كبيرا للعمال والفلاحين والجنود، إذ هي حرب بين الضواري الإمبرياليين.
وتوالت بعد ذلك القرارات التاريخية الحاسمة. فقد أقر هذا المؤتمر في الأيام الموالية تعويض الملكية الخاصة للأرض وأحل محلها ملكية الشعب، وبمقتضى هذا القرار صار أكثر من 125 مليون هكتار في أيدي الفلاحين الكادحين. وواصلت الحكومة الثورية اتخاذ قرارات أخرى تندرج في إطار تعزيز دولة العمال والفلاحين. وبمقتضى هذه القرارات انتقل النقل والأسطول التجاري والتجارة الخارجية ومصانع الرأسماليين الأقوياء ومصارفهم، وكذلك إنتاج منتجاتها وتوزيعها إلى أيدي عمال وفلاحي الدولة الاشتراكية السوفييتية.
لقد احتلت ثورة أكتوبر على الفور عناوين الصحافة البرجوازية العالمية وأيقظت الجماهير المستغلة في عشرات البلدان الأخرى، وفي الوقت نفسه نظّم البرجوازيون الرأسماليون، الذين أيقنوا أن مصالحهم المادية والمعنوية قد تمت الإطاحة بها مباشرة، تدخلاً عسكرياً ضد الجمهورية الفتية، محاولين بذلك إسقاط حكومة العمال والفلاحين.
وخلال سنوات قليلة أصبحت الموجة الثورية التي نهضت في روسيا القديمة والمتخلفة عبارة عن موجة لا قبل لأحد بها، وكأنها تسونامي في قوته وجبروته.
لقد كانت مكاسب العمال والفلاحين والنساء والشباب والشعب الروسي كله بمثابة المؤشر على أن الثورة واقع فعلي، وأنه من الممكن الحفاظ عليها بأوسع تضامن أممي ودعم حاسم من الجماهير البروليتارية الروسية. وكان لهذا التضامن طابع خاص وحتمي، لأنه لا يمكن أن يصدر سوى عن أولئك الذين جربوا وعانوا ظروفا مماثلة من الاستغلال والجوع والبؤس التي خبرها الشعب الروسي، لا يمكن أن يصدر هذا التضامن سوى عن بروليتاريا وشغيلة البلدان الأخرى التي تشبه البروليتارية الروسية في بؤسها وشقائها. وهو تضامن طبيعي حيث كانت الأممية البروليتارية أساس هذا التضامن.
وفي ديسمبر 1922، أي بعد مضي خمسة أعوام فقط على قيام الثورة، أعلن لينين في إحدى خطبه بأنه لا يمكن لأحد في العالم يستطيع إلحاق الهزيمة بالجمهورية السوفياتية كما توج انتصارات الثورة قيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. فقد اتخذت أوكرانيا وبيلاروسيا وإقليم ما وراء القوقاز الخطوات الأولى وكونت اتحادا مع جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية، موسعة بذلك حدود الدولة السوفييتية الجديدة متعددة القوميات. وفيما بعد اتخذ 11 بلداً القرار نفسه وانضمت هذه البلدان، التي كانت تشكل جزءا من الإمبراطورية الروسية الفسيحة، إلى اتحاد جديد هو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
مراحل الإنجازات الثورية:
كانت الثورة الاشتراكية التي وقعت في روسيا حدثا بالغ الأهمية، ومرت الثورة بمراحل ثلاثة أساسية، منها مرحلتان من الإنجازات ذات طابع عالمي، ومرحلة ثالثة حدثت أثناءها مشاكل وأزمات على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي أيضا.
1- المرحلة الأولى:
وهي المرحلة التي بدأت في سنة 1917 ، حيث وقعت في هذه المرحلة تطورات عميقة في مجالات عديدة في الصناعة والزراعة والنتاج الفكري والثقافي وظروف الدعم الأكثر فعالية للثورات والانتفاضات الشعبية في مختلف أنحاء العالم، كما تعززت على نحو مماثل الإيديولوجية الاشتراكية عبر العالم، حيث لم تعد الاشتراكية حلماً بل صارت واقعاً ملموسا. لقد أظهرت هذه التطورات حيوية النظام الاشتراكي، وعبرت عن مدى قدرته على الممارسة العملية لوعود قرون خلت، لم تنفذ أبداً من قبل الأسياد الطبقيين في السلطة. وكشفت هذه الأحداث التاريخية الهامة والاستثنائية، عن القوة التي لا تقهر للوحدة الجماهيرية ضد المستغِلين.
غير أن تضامن الاشتراكية مع شعوب العالم- ورغم الهزيمة المدوية للدول الإمبريالية التي نهضت بالعدوان ضد الثورة الفتية- لم تتمكن من القضاء على العدو الإمبريالي. وكانت السلطة السوفييتية، المدعومة بأيديولوجيتها المادية والفهم الديالكتيكي للعالم واضحة بشأن الوضع، قد استعدت باستمرار لمواجهات جديدة. وعرف الاتحاد السوفييتي، بقيادة ستالين بعد وفاة لينين، أن هذه المجابهات ذات أبعاد عالمية، لأن البرجوازية العالمية لم تكن مستعدة لتسليم السلطة لنقيضتها، الطبقة العاملة، كما لم تكن مستعدة لأن تخسر سيطرتها على الاقتصاد والثروة في أكثر من نصف أوربا، أي سُدس مساحة الكرة الأرضية.
2- المرحلة الثانية:
وهي مرحلة حافلة بالإنجازات، ففي عام 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية التي أثارتها النازية الألمانية، أي الشكل الأكثر فظاظة من الديكتاتورية البرجوازية. كانت الخطة النازية المدعومة من قبل القوى الرأسمالية الأساسية في أوروبا تقضي بتدمير الجمهورية الاشتراكية السوفييتية التي حققت نمواً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً واضحاً، وأصبحت منارة حقيقية للجماهير التي تستغلها البرجوازية في البلدان الأخرى.
في حين كانت الرأسمالية العالمية تمر بأزمة عميقة، حيث أثرت البطالة في الأغلبية العمالية وازداد بؤس الجماهير ازدياداً هائلاً. أما الاتحاد السوفييتي – بلد ثورة أكتوبر- فقد انتقل في هذه الفترة إلى التشغيل الكامل والقضاء على الأمية، والوصول بالمنجزات إلى العناية الصحية والرياضية والترويح عن النفس أثناء العطل الأسبوعية، وإلى الجماعات الفكرية والثقافية والمدرسية والتدريب المهني. كل ذلك يمارس مجاناً، وباختصار لا يمكن لأحد إخفاء تفوق الاشتراكية على الرأسمالية في المجالات المذكورة.
وكان لدى النظام السوفييتي، على الرغم من كونه ما زال فتياً، تجربة كبيرة في فن الحرب استمر منذ ولادته، بفضل الكفاح الشديد ضد الأعداء الرأسماليين الذين نشطوا ضد الدولة السوفياتية بأعمال التخريب ومجازر القرى والاغتيالات والحروب الأهلية.. إلخ، إلى جانب دحر التدخل الأجنبي لـ 28 بلداً رأسماليا معاديا.
ومع إعلان ألمانيا النازية الحرب على الاتحاد السوفياتي، اضطر هذا الأخير إلى التغلب على نقائصه الدفاعية وتسريع تطوير قدرته العسكرية. وخلال أربعة أعوام من الصراع، لم يكن هناك دليل أكبر على البطولة والتفاني والانضباط الثوري وحب الإنسانية مما مارسه المواطنون السوفييت وجيشهم الأحمر الجبار. فلم يحرر الاتحاد السوفييتي شعوبه فقط من الغزو النازي، بل حرر الإنسانية كلها من الإرهاب الهتلري.
وكانت آثار الحرب مدمرة بالنسبة لشعوب الاتحاد السوفييتي ومناطقه، فإلى جانب الضربات القوية التي وجهت إلى صناعته وزارعته، سببت هذه الحرب المدمرة ما يزيد على وفاة 25 مليون شخص.
ورغم هذه الخسائر التي لا مثيل لها من قبل، فقد انهزم الوحش النازي، وكانت النتيجة الفورية لهذه الهزيمة الساحقة ثورة ديمقراطية شعبية، وإقامة حكومات ثورية في بلدان مختلفة من أوربا الشرقية، مما أدى إلى توسيع سيطرة الشعوب على مصيرها وزاد من تقليص سيطرة الاحتكارات الاقتصادية والمالية والحكومات العميلة للإمبريالية على مساحات واسعة من الكرة الأرضية.
لم يعزز هذا الهجوم الثوري ضد مالكي العبيد الجدد من مختلف البلدان خلال الحرب العالمية الثانية تكتيك الشيوعيين ضد الحروب الإمبريالية الضارية فحسب، بل حوّل كذلك ثورة أكتوبر إلى نظرية ثورية، وبرنامج وتكتيك للبروليتاريا العالمية ومنظماتها السياسية لأنه، كما يقال، فإن الأعمال أعلى صوتاً من الكلمات.
وهكذا نشرت أممية الدولة السوفييتية الثورة والاشتراكية في العالم. ففي أوت 1945 انضمت كوريا الشمالية إلى البلاشفة. وفي 01 اكتوبر 1949 تحرر أكبر بلد في العالم من قيود العبودية الإقطاعية الرأسمالية ومن حكومة تشان كاي شيك الرجعية والاستعمار الأمريكي الجديد. وأعلن الزعيم ماوتسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني. ووجدت الثورة دعماً قوياً من جانب الحزب الشيوعي البلشفي والدولة السوفييتية والجيش الأحمر السوفياتي الذي قدم الأسلحة والمقاتلين والعلماء والفنيين للجمهورية الفتية. وهكذا صار العالم الثوري يشكل أكثر من ثلث مساحة الكرة الأرضية.
3- المرحلة الثالثة:
تمتد هذه المرحلة إلى بداية الثمانيات من القرن الماضي. ولا يمكن القول بان هذه المرحلة تخلو من الإنجازات، فقد تحققت إنجازات كثيرة في هذه الفترة، في سياق مواصلة المباراة بين النظامين الاجتماعيين المتناقضين على الصعيد العالمي: النظام الرأسمالي الإمبريالي والنظام الاشتراكي. ولكن بدات في هذه المرحلة التي جاءت في السبعينات من القرن الماضي والتي أطلق عليها “مرحلة الجمود”، تعرف مشاكل معقدة.
فمن أجل وقف هجوم الثورة البروليتارية وتعويض الخسائر الضخمة التي سببتها التغييرات في اقتصاديات البلدان المتحررة، شددت الإمبريالية في سياستها على استغلال العمال، وخصوصاً في البلدان الأقل نمواً، مما أثار المزيد من التوترات. وفي 1 جانفي 1959، وجهت كوبا، الجزيرة الكاريبية الصغيرة التي تقع على مسافة تسعين ميلاً من الممثل الرئيسي للرأسمالية العالمية، ضربة قوية للولايات المتحدة لقيامها بالثورة. وفي عام 1975 منيت الولايات المتحدة بأكبر هزيمة في تاريخها كله، فقد هزم الحزب الشيوعي الفيتنامي، بعد أعوام من المقاومة وحرب الأنصار الثورية، أقوى جيش رأسمالي في العالم وأسس جمهورية فيتنام الاشتراكية.
وتعمل البرجوازية اليوم في الحقيقة، كما في السابق، كطبقة واحدة موحدة، رغم تناقضاتها الثانوية، وتتبنى خطوات مشتركة ليس فقط في الاقتصاد العالمي، بل كذلك في السياسة، كما يُظهر بوضوح عدوان البلدان الإمبريالية ضد العراق وأفغانستان وإيران وفلسطين ومالي وليبيا وسوريا وأوكرانيا وغيرها.
لذلك، وكما يتوحد الرأسماليون حول العالم ولديهم دوماً اجتماعاتهم وينظمون تحالفاتهم ضد الشغيلة، يحتاج العمال إلى التوحد على المستوى العالمي.
كانت الأممية الثالثة، كمنظمة سياسية أممية للعمال، سلاحاً أساسياً لوحدة الشيوعيين على مستوى العالم، لأنها اعتمدت اعتماداً رئيسياً على التطور السياسي والإيديولوجي والمادي للاشتراكية في الاتحاد السوفييتي.
وخلال فترة وجودها، من عام 1919 إلى عام 1943، سمحت الأممية الثالثة للعمال والثوريين في العالم بتنفيذ هجوم ضد الرأسمال والاستغلال اللذين فرضا على الجماهير. كانت فترة تطور وتأسيس الأحزاب الشيوعية والجبهات الشعبية ومنظمات الأنصار والجيوش الثورية الهادفة إلى الثورة الشعبية والاشتراكية في بلدان شتى.
هل كان الفشل حتميا؟
وإذا كانت هذه هي إنجازات ثورة أكتوبر على الصعيد الوطني وعلى الصعيد العالمي والتي لا يمكن إنكارها حتى من طرف العديد من خصومها، وهي غيض من فيض، فلماذا منيت بالإخفاق في نهاية المطاف، تحت ذهول العديد من البلدان والشعوب وخاصة بلدان العالم الثالث التي أحس الكثير من منظريها وقادتها وعمالها وجماهيرها الكادحة بأنها الخاسر الأكبر من هذا الفشل؟.
للإجابة على هذا السؤال نقول ابتداء بأن هذا الفشل لم يكن حتميا أو قضاء وقدرا، كما لم يكن دليلا على الخطأ النظري والإيديولوجي للنظرية الماركسية اللينينية. هذه المزاعم ليست سوى ترداد رخيص للمنظرين البرجوازيين وأذنابهم من الانتهازيين الذين تنكروا لمثل أكتوبر.
أما في الواقع، فالتجربة أثبتت بالملموس، أن السقوط كان نتيجة لعوامل داخلية وخارجية، لا بد من تناولها بإيجاز ردا على أولئك الذين أصيبوا بعمى الألوان متصورين أو زاعمين بأن الاشتراكية قد فشلت بصورة نهائية، وبأن هذا السقوط هو نهاية التاريخ الذي يثبت بأن الرأسمالية هي النظام الطبيعي الأبدي الذي يتوافق مع طبيعة البشر ومصالحهم.
لقد تفكك الاتحاد السوفييتي، بلد ثورة أكتوبر، وانهارت معه التجربة الاشتراكية في القرن العشرين، بسبب عوامل متعددة منها:
1- النشاط المعادي للثورة الذي قامت به التيارات التحريفية والانتهازية من شتى المشارب ابتداء من التروتسكية إلى الاشتراكية الديمقراطية ضد ثورة أكتوبر طيلة تاريخها. طبعا لن نعدم من يرد على أن هذه الاتهامات جاهزة تستند إلى “نظرية المؤامرة”، لكن لا يمكن إنكار هذه الحقيقة والتخفي وراء هذا الزعم لتبرير الردة والتنكر، وما المآسي والجرائم التي تجري اليوم في مختلف بقاع العالم من اعتداء على الشعوب ومن ظلم للعمال والكادحين ومن تهجم على مكاسب الجماهير العريضة إلا نتيجة لمؤامرات ومكائد الإمبريالية وحلفائها على الشعوب بغية تعميم الاستعباد الإمبريالي المتوحش؟.
2- أفرزت سياسة“الحرب الباردة” وسباق التسلح بين المعسكرين نتائج ثقيلة كان لها آثارها في استنزاف الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، ومن جملتها هدر قدراته الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية في الميدان العسكري بهدف تحقيق التكافؤ الاستراتيجي مع المعسكر الإمبريالي. نعم لقد تحقق هذا التكافؤ، ولكنه كان على حساب الترقية الاجتماعية والمعاشية وتحقيق الرفاهية لشعوب المنظومة الاشتراكية وإبراز مزايا النظام الاشتراكي وتفوقه على النظام الرأسمالي في المباراة التنموية المدنية والسلمية، لأن هذا التكافؤ كان في مستوى أسمى، وهو ماكان يسعى إليه المعسكر الرأسمالي الإمبريالي.
3- الانحرافات الخطيرة التي تعرض لها البناء الاشتراكي بعد وفاة الرفيق ستالين، حيث بدأ التراجع عن كثير من المواقف المبدئية الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية وفي مجال السياسة الداخلية والخارجية ابتداء من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي سنة 1956 وصعود جماعة خروتشوف إلى سلطة الحزب والدولـة السوفياتية. لقـد أفـرز هـذا الانحراف نتائج وخيمة العواقب، فتحول الحزب إلى جهاز بيروقراطي يسيطر عليه التحريفيون والانتهازيون، وأبعدت الطبقة العاملة وحلفاؤها عن الحكم. وتجلت بعض مظاهر القفز إلى الأمام بتجاوز هيمنة البروليتاريا وتعويضها بهيمنة الشعب بأسره، والانسياق وراء سباق التسلح الذي صنعت منه الإمبريالية فخا يبدد قدرات المعسكر الاشتراكي، وتقديم تنازلات إلى المعسكر الإمبريالي تحت ذريعة توطيد سياسة التعايش السلمي بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة، واعتبرت الاشتراكية منتصرة بصورة حاسمة باستخدام مصطلح “الاشتراكية المتطورة” التي كانت تعتبر من طرف قادة العديد من الأحزاب الشيوعية الحاكمة آنذاك بأنها تشكل المقدمات التكنيكية والاقتصادية والاجتماعية لانتقال الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى إلى الشيوعية حتى أن نيكيتا خروتشوف حدد في عهده أواسط الثمانينات من القرن الماضي موعدا للانتقال إلى الشيوعية. هذا في الوقت الذي كان يجري فيه التراجع عن المكاسب العظيمة التي أنجزت في عهد ستالين، بل كانت السنوات الأخيرة من الثمانينات بداية العد العكسي لإخفاق الاشتراكية وانتصار الثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية في أوربا الشرقية. وكل هذه التراجعات جرت تحت شعار تصفية “إرث الستالينية” وانتهاج ما عرف بـ “التفكير الجديد” الذي أتى به غورباتشوف وزمرته، والذي كان يعطي الأولوية لما يسمى بالمشاكل الإنسانية العامة المشتركة على حساب الصراع الطبقي ضد الإمبريالية والرأسمالية.
4- كانت عقود السبعينات والثمانينات من القرن الماضي مرحلة جمود وخمود بالنسبة للاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وأتاح هذا الجمود الفرصة للرأسمالية لكي تعيد تكيفها مع التطورات العالمية وتنتقل إلى الهجوم وتغرق البلدان الاشتراكية في سباق محموم حول التسلح النووي وحرب النجوم. وكان مجيء ميخائيل غورباتشوف وزمرته خاتمة هذه التنازلات وهذا الجمود. وبالتأكيد فإن هذه السياسات الخاطئة والقاتلة التي مارسها هذا العميل للغرب وجماعته على الصعيدين النظري والتطبيقي والتنازل غير المحدود للإمبريالية تحت شعار البيريستويكا والشفافية والقضايا الإنسانية العامة والاستعداد للتضحية حتى بالنظام الاشتراكي “إذا كان ذلك يخدم السلم على حد زعمه”، قد شكلت هذه التنازلات الخطوة الأولى نحو الانهيار، لأن التنازل عن الاشتراكية لا يمكن أن يخدم السلم، فالسلم هو رديف الاشتراكية وليس نقيضها، في حين أن الرأسمالية لا تقوم سوى على الربح الفاحش والاستغلال والصراع الضاري من أجل تقاسم ثروات العالم وإعادة تقسيمه، ومن ثم فهي تقوم على الحروب ومعاداة السلم. وقد أكدت الوقائع المفجعة بعد انتصار الثورة المضادة في البلدان الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفياتي أن هذا السقوط هو الذي أطلق العنان للإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة من أجل شن الحروب العدوانية على الشعوب وإعادة استعمارها من جديد بغية الاستيلاء على خيراتها وثرواتها. ولو كان المعسكر الاشتراكي ما يزال موجودا لما حدث هذا العدوان الشرس على استقلال الشعوب وعلى مكاسب العمال.
البديل الحقيقي
لقد فشل خيار الليبرالية المتوحشة الذي روجت له الإمبريالية والقوى الموالية لها من مختلف المشارب والألوان في السنوات الأخيرة بعد انتصار الثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية في شرق أوربا، كبديل عن الاشتراكية. كما أن نضال العمال والشعوب متواصل ضد المشاريع الإمبريالية في مختلف أنحاء العالم وفي مقدمتها شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بغية إقامة جبهة عالمية موحدة ضد الإمبريالية وفي ظل وهج ثورة أكتوبر الدائم.
ومهما قيل ويقال عن ثورة أكتوبر، فقد أدت مهمتها الكبرى المتمثلة في بناء مجتمع اشتراكي جديد على أنقاض المجتمع البرجوازي في نصف الكرة الأرضية. وبهذا استحقت هذه الثورة أن تتبوأ مكانتها الطبيعية والعظمى في التاريخ البشري.
نعم، هناك الكثير من الانتهازيين من رفاق الأمس ينعتون بالجمود الشيوعيين المخلصين لمبادئ ومثل أكتوبر، والعازمين على إعادة بعثها وتجديدها وتعميقها، كما يتهمونهم بعدم اعتبار المستجدات والمتغيرات التي جرت وتجري في العالم، ولكن الحقيقة الملموسة أن الشيوعيين ينظرون إلى هذه المتغيرات بروح تفاؤلية وبنظرة علمية موضوعية وليس بنظرة انهزامية، فهذه المتغيرات بالنسبة للشيوعيين وللماركسيين اللينينيين تثبت أن سبب تزايد معاناة البشرية يكمن في سياسة الرأسمالية والإمبريالية. فكل المآسي التي تعاني منها البشرية ناتجة عن عدوانية النظام الرأسمالي الإمبريالي، مثل حروب التدخل ضد الشعوب، وإفقار أغلبية البشرية، وأزمة البيئة، وزيادة الاستقطاب الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، وموت ملايين الأطفال بسبب الجوع، واستفحال تجارة الرقيق المشينة وغيرها وغيرها.
فالتطور بذاته إذن بما فيه المتغيرات الأخيرة المشينة التي يشهدها العالم يدلنا على صحة الاتجاه العام للشيوعيين الأوفياء لمثل أكتوبر ولنضالات القوى التقدمية في كل مكان من العالم.
فالعمال والقوى التقدمية والشعوب المكافحة من أجل سيادتها وثرواتها وضد القهر الإمبريالي واستبداد الحكام المحليين، كل هذه القوى تناضل ضد الإمبريالية والرأسمالية وتطمح في صنع بديل عنها، وهو الاشتراكية التي تقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، وسلطـة الكادحين، وبقيادة حزب ثوري يسترشد بنظرية ثورية متكاملة هي الماركسية اللينينية، وموقف طبقي واضح يضم في صفوفه خيرة المناضلين الذين تجمعهم وحدة الإرادة والعمل. هذا هو المنهج الصحيح في النضال من أجل تحقيق العدالة والحرية لكل البشر.
واليوم يتوجب على العمال والشعوب وقوى التقدم والديمقراطية في العالم أن يعملوا على عولمة تعاونهم وتحالفهم واتحادهم من أجل النضال جنبا إلى جنب ضد العدو المشترك. لقد كان من أكبر مآثر الفكر الماركسي اللينيني ومن أحد عوامل نجاح ثورة أكتوبر على النطاق الأممي هو تثمين الدور الكبير الذي تلعبه حركة التحرر الوطني في مقارعة الاستعمار والإمبريالية، وضرورة إبرام أوثق أواصر التحالف بين الحركة الشيوعية والعمالية والثورات الوطنية التحررية. وما نشر الديبلوماسية السرية عقب ثورة أكتوبر المعروفة بـ “سايكس بيكو” إلا دليل ساطع على ذلك، على الرغم من أنها بذاتها غيض من فيض.
ويمكننا اليوم أن نقول بأن إشراقة أكتوبر لن تخبو ولن تنطفئ، بل ستزداد تألقا واشتعالا، في خضم النضالات المتصاعدة في مختلف أنحاء العالم ضد نتائج العولمة الإمبريالية المتوحشة والتهجم على المكاسب الاجتماعية التي حققها العمال والشعوب بفضل دعم المعسكر الاشتراكي وقوى التقدم في العالم. فالنضالات التي تخوضها البلدان العربية (سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وغيرها) ضد التدخلات الإمبريالية ومن أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي ستؤدي في نهاية المطاف إلى دحر الإمبريالية في المنطقة وفي فشل تجسيد مشروعها الاستعماري: الشرق الأوسط الجديد الهادف إلى إعادة تقسيم المنطقة والاستيلاء على ثرواتها، ونضالات شعوب وبلدان أمريكا اللاتينية ضد الأطماع الإمبريالية الأمريكية، وكذا نضالات الشعوب الإفريقية، كل هذه النضالات باتت تشكل الأمل في التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسير على طريق الاشتراكية، اشتراكية حقيقية التي وإن لم تكن صورة مستنسخة من الاشتراكية السابقة، إلا أنها بالتأكيد ستكون امتدادا تاريخيا لملحمة أكتوبر وتطورا نوعيا له.
وإذا كان لا بد من تحديد موقع ثورة أكتوبر في سياق العملية الثورية التاريخية، بغض النظر عن الأخطاء والتعثر المؤقت لاستئناف مسارها في ظروف جديدة، ظروف القرن الواحد والعشرين، فإننا يمكن أن نقول بدون تحفظ إن ثورة أكتوبر قد أطلقت موجات التحرر التي لم تتوقف ولن تتوقف ولا تزال تتفاعل وتزداد قوة ومتانة، كما أطلقت موجات من الوعي بقضايا الإنسان وحقوقه وتحرره من الاستغلال والقهر من أجل استعادة مثل أكتوبر وقيمها. وإنه لمن البديهي اليوم أنه لا يمكن متابعة نقاش أو حركة نضال إلا وكانت فيه القضايا التي دفعتها ثورة أكتوبر إلى مقدمة الأحداث حاضرة بقوة: من دور الدولة في المجتمع والنهوض بوظيفتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن تعزيز القطاع العمومي الذي يشكل الرافعة الأساسية لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعماد الاقتصاد الوطني إلى الحق في التعليم والصحة والسكن وتحسين الحياة المادية والمعنوية وتحقيق التقدم الاجتماعي.
ومن المؤكد أن حجم الإخفاقات لا يمكن قياسها بحجم المكاسب والإنجازات التي جنتها البشرية منها؟. ويكفي القول بأن نظرة إلى أحوال العالم قبل تلك الثورة وبعدها يمكن أن تعطينا فكرة عن أن الإنسان قبل وقوعها كان يضحى به على كل أنواع المذابح في الحروب الاستعمارية العدوانية وان الحرب العالمية الأولى- على سبيل المثال- التي كانت ثورة أكتوبر في العام الثالث منها، وسرعت نهايتها، تسببت في ملايين القتلى وفي كشف عقم الأنظمة الحاكمة في القارة الأوروبية حينذاك، وأن الحرب العلمية الثانية قد انتهت بانتصار الاتحاد السوفياتي الذي دفع بأكثر من 25 مليون من مواطنيه دفاعا عن حرية الشعوب، وأن الإنسان بعد سقوطها قد أضحى معرضا للاستعباد من جديد من طرف الإمبريالية والضواري الإمبرياليين، كما كان في زمن الإمبراطوريات الاستعمارية، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وتحت حجة الدفاع عن حقوق الإنسان وتحقيق الديمقراطية وغيرها من الشعارات الخادعة. وباختصار فالجرائم البشعة التي تقترفها الإمبريالية اليوم تحت هذه الذرائع في سوريا والعراق وفلسطين وأفغانستان وغوانتنامو وكوريا الديمقراطية وإيران وغيرها من الشعوب تجعل المتتبع عن كثب يستخلص أنها ترفض العودة بالبشرية إلى عهود البربرية. لذلك سيظل أكتوبر العظيم منارة للشعوب المكافحة ضد العودة إلى البربرية ومن أجل الولوج في العصر الحضاري الحقيقي للبشرية.
في 12 أكتوبر 2015
بقلم حامد ربيع


Navigation

Articles de la rubrique