مدراء جرائد جزائرية يتعشّون في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية رفقة مساعد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن :

jeudi 29 septembre 2016
par  الجزائرالجمهورية-

لو لم تكشف يومية ليكسبريسيون بتاريخ 27 جويلية [1] عن الخبر لما سمع أحد بهذا الحدث، إذ جلس على مأدبة العشاء التي نظمتها السيدة جوان أ.بولاشيك، سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، مدراء جرائد تم اختيارهم كعيّنة من التيارات التي تعبر المجتمع ّ« المدني ». آه، ليست التيارات كلها وإنّما بعض تلك المسجّلة في جوارير السفارة كمعارضة أو موالية للحكوم ة [2]، وفقا لمعايير أكيد أنها خاصة بالإستراتيجية الأمريكية تجاه الجزائر، فحضر العشاء مدراء جرائد الوطن، المجاهد، ليبيرتي، الخبر، الفجر والشروق، بالإضافة إلى ليكسبريسيون، « الذين عرضوا في بيئة سادها الصدق آرائهم حول موضوع جوهري، ألا وهو موضوع حرية الصحافة في الجزائر ».

نقل فتاني، مدير جريدة ليكسبريسيون ما يلي : « لقد سرّ الضيوف كثيرا بالتحاور مع السيد بلينكن »، بين لقمتين لذيذتين.
ثم أكّد لنا فتاني أنّ « التحاور كان تناقضيا ولكن الدبلوماسي الأمريكي أعجبه أن الصحافة الجزائرية هي، من بعيد، الصحافة الأكثر حرية في العالم العربي وفي إفريقيا. وهي شهادة شاركها جلّ ضيوف السيدة سفيرة الولايات المتّحدة. »

لن نعرف إن كان « المجتمع المدني » المحترم قد أعرب لأنتوني بلينكن عن معارضته أو بالعكس عن دعمه لتدّخلات الولايات المتّحدة في العالم وعلى حدود الجزائر أيضا. إن كان قد وبّخه بشدة بشأن تحالف أمريكا مع قوات العصور الوسطى، إنّ كان قد ذكّره بالمآسي التي أنتجتها إمبريالية بلده، إن كان قد أعرب له عن رأيه في مواقد الحروب المشتعلة في أوروبا الشرقية تحت ذراع الناتو، إن أعرب له « بكل صراحة » عن تأثره بشأن اغتيال الشرطة لعشرات السود كل عام، إلخ.

هل قلنا « إمبريالية »؟ الرجاء منكم تجنب استعمال هذا المصطلح « المنتهية مدّة صلاحيّته »، ينصحنا مناصرو الإمبريالية، أو خدمها إن توجّب علينا تسمية الأشياء بمسمّياتها. وكل الصحفيين الرديئين الذين دعموا التدخّل العسكري في ليبيا بجعلهم قرّائهم يعتقدون أنّ السبيل الوحيد لقلب طغيان نظام القذّافي كان اللجوء إلى القوة الخارجية لتلك « الديموقراطيات » الكبيرة المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية التي هي حليفة كبيرة لتلك « الديموقراطيات » المتمثلة في مملكات الخليج. ليست « الإمبريالية »، حسب هذه النفوس الطيبة، سوى جزءا من بقايا « الحرب الباردة »، مصطلح فظيع لا يزال يستعمله مناصرون متخلّفون عقليا للخطاب الشيوعي أو الوطني المنتهية مدّة صلاحيته [3]
.

يقول لنا مطمئنين هؤلاء الصحفيين الرديئين إنّ من أشعل نار الحروب الساخنة « الديمقراطية »، هنا وهناك وعلى حدودنا، لا يتمنّون لنا إلّا الخير. قد نظن أنه لا حاجة للتوقف ودحض هذه الخطابات الموالية للإمبريالية المعادية تماما لأحداث وتجربة الشعب الجزائري. طبعا، أي جزائري يمكنه أن يكون سخيفا لدرجة أنه يؤمن بهذه الخزعبلات، باستثناء ذلك الذي اختار الدخول في خدمة القوات الإمبريالية للحصول، بالمقابل، على بعض المصالح المادية. أي جزائري يمكنه أن يعتقد أنّ التدخّلات الأمريكية في البلدان العربية تحمل هدفا نبيلا هو مساعدة الشعوب على التحرر من طغاتها؟ ولكن هذا بديهي أيضا، لا يمكننا تحضير العجّة دون كسر البيض، هذا هو الـ« تفسير » الذي يقدّمه لنا أمثال « ب.أ.ل » (برنار أنري ليفي، ملاحظة المترجم) الفرنسيون والمحليّون.ألم تحاول السيدة أولبرايت أن تبيّن لنا بشكل « مقنع » أنّ الأطفال العراقيين الـ500000 الذين ماتوا جرّاء التدخل الأمريكي الأوّل في العراق، في 1991، كانوا يمثّلون فقط الثمن الذين كان يجب دفعه مقابل تصدير الديمقراطية إلى البلاد؟ إنّ موت ملايين الناس، حسب هذا المنطق، والتدمير والخراب الذين بثّتهم التدخّلات الإمبريالية في العالم العربي وفي إفرقيا ليست غايتها الاستيلاء على الثروات البترولية والمنجمية، وإنّما غايتها هي جعل راية الحرية ترفرف تحت حماية الصواريخ والطائرات دون طيار التابعة لأمريكا، فرنسا، إنجلترا، إلخ.

لنعد إلى السيد بلينكن. لم يحضر هذا الأخير العشاء سوى للإعراب عن عطفه اللطيف « للصحافة الأكثر حرية في العالم العربي ». ولدرجة أنّها حرّة لم تقم أي جريدة منتمية إلى « المعارضة الديمقراطية » بإعلام قرّائها بالخبر، فقط بإعلام قرّائها، وكانت جريدة ليكسبيرسيون هي الاستثناء.

صحيح أنّ الولايات المتحدة الأمريكية متعوّدة على هذا التصرف. فبتاريخ 25 فيفري 2012 كانت السيدة هيلاري كلينتون قد توقّفت بالجزائر العاصمة وقبل أن تذهب لمقابلة رئيس الدولة الجزائري اتجهت مباشرة نحو سفارة بلدها حيث تم استدعاء « ممثّلي المجتمع المدني » الذين صادقت عليهم الإمبريالية، آه !...معذرة، الذين صادقت عليهم مصالح الحكومة الأمريكية. وهناك بالسفارة قدّمت السيدة كلينتون « درسا في العلوم السياسية » حول « احترام سيادة الشعوب »، حسب تعبير حسان موالي [4] ، الذي كان قبل بضعة أعوام قد سنحت له الفرصة بعرض انبهاره بسوزان رايس، بعد رجوعه من رحلة دراسية نظّمتها فريدوم هاوس (بيت الحرية، ملاحظة المترجم)، حسب ما نقله نمّامون. ثم أضاف سعيد رابية [5] قائلا عن كلينتون « إنّ الجمل المعدودة التي تفوّهت بها كشفت عن حقيقة خطر التدخّل الأجنبي المزعوم الذي يتم التلويح به لتخويف الجزائريين ». إنّ تلك المبايعة للإمبريالية الأمريكية والتدخّل الوقح في شؤون الشعب الجزائري الداخلية لم يثيرا سخط أي جريدة. غداة ذلك اليوم، وكل مصادفة في هذا السياق تعتبر طبعا وليدة الصدفة، قام طيّب بلغيش، صحفي في جريدة الوطن، بوضع افتتاحية انتقد فيها بأسلوب لاذع بوتين بسبب « دعمه لدكتاتورية بشّار الأسد ! [6] . صحيح أنّ بلغيش يرى اليوم أنّه « لا مزاح مع بوتين ! ». ولكن هذه قصة أخرى.

.

15-08-2016
زهير بسّة
الترجمة من الفرنسية : محمّد بومنجل


[3http://www.elwatan.com/weekend/7jou... ; : كتب عدلان مدّي وميلاني ماتاريز في جوابهما على احتجاجات داحو جربال حول التدخل الإمبريالي في ليبيا وقتل القذافي العسفي :
« نظنّ أنّ الكفاح ضد الإمبريالية هو كفاح أكل عليه الدّهر وشرب وأنّ المعطيات الجغرافية السياسية الحالية تجبرنا على النظر إلى الأحداث من زاوية أخرى. »
جدير بالذكر أنّ عدلان مدّي يضع نفسه خارج الشجار ويروّج لخطاب « من يقتل من؟ » في تعليقه على مراجعة الدستور فينتقد ما يراه إنكارا « للإفلات من العقاب و »المذابح الجماعية« المرتكبة خلال »أعمال العنف والمضادة للعنف" في تسعينات القرن الماضي.