مواجهة نوعية مع التنظيمات الإرهابية في سوريا

دخول روسيا بشكل واسع في هذه المواجهة
jeudi 12 novembre 2015

قرر الرئيس فلاديمير بوتين، الانتقال إلى مواجهة نوعية ضد تنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية في سوريا، وهي مواجهة تهدف إلى دعم نظام بشار الأسد.
وقد جاءت هذه التطورات الجديدة تطبيقا لموافقة البرلمان الروسي على استعمال القات المسلحة الروسية في الخارج، حيث دافع بوتين عن المواقف الروسية حول سوريا وأوكرانيا. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار التدخل الروسي في سوريا بأنه مفاجأة، فما دامت المعلومات التي تم الإعلان عنها في الأسابيع الأخيرة قد أشارت إلى زيادة الوجود العسكري الروسي في سوريا، وتكفلت هذه القوات بنقل معدات عسكرية حديثة، فإن هذا التدخل يصبح بالضرورة أمرا طبيعيا.
وإذا كان من الواضح أن هذا التطور هو بمثابة الاحتدام القوي للتناقضات الإمبريالية البينية في منطقة الشرق الأوسط، فمن الملاحظ أن التدخل العسكري الروسي لم يقع إلا بعد التدخلات الأمريكية والأوربية والتركية والخليجية وغيرها من القوى في المنطقة منذ عام 2011.
حقا، كان لهذه التدخلات المختلفة عواقب وخيمة على الشعب السوري ومنطقة الشرق الأوسط ، حيث انه عندما كانت القوى البرجوازية والانتهازية تحتفل بما يسمي ب« الربيع العربي » حيث كانت عمليات التدخل الإمبريالية تسعى لتمويل وتسليح « المعارضة العسكرية السورية »، وهو ما نجم عنها تشكيل تنظيم « الدولة الإسلامية » (داعش). وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك أيضا إلى نشوء موجة كبيرة من المهاجرين اللاجئين داخل البلاد وخارجها. ومعظم هؤلاء اللاجئين قد توجهوا في البداية إلى تركيا ولبنان والأردن، ثم حاول العديد منهم، من ذوي الإمكانيات المتاحة، الوصول إلى بلدان أوروبا.
ويقدر الملاحظون عدد « المعارضة » المسلحة، أو ما يسمى ﺑ« الجيش السوري الحر » الذي ترعاه علنا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من 45 إلى 60 ألفاً، وإن كانت روسيا تشكك في حجم هذه الأرقام.
ومن بين القوى العسكرية التي تقاتل الأسد « جبهة النصرة » التي يقدر عدد أفرادها بـ 10 آلاف مسلح، وهي تتلقى الدعم من قبل الأنظمة الملكية الخليجية في المنطقة.
وبطبيعة الحال، تقاتل كل هذه القوى ضد نظام الأسد، على الرغم من التداخل الجاري بينها، وهذا التداخل يشبه « الأواني المستطرقة » التي تقوم بتغذية بعضها بعضاً بشكل متواصل.
وفي سياق تعداد القوات المعادية للنظام، ينبغي ذكر القوات الإسرائيلية التي تحتل أراضي سورية منذ عام 1967 في مرتفعات الجولان، وهي تنشر قوات عسكرية دائمة داخل المناطق المحتلة، وتوفر الدعم الطبي وغيره من أشكال الدعم لقوات المعارضة التي تقاتل الأسد.
وضمن هذه الظروف العسكرية المعقدة، قررت روسيا تعزيز قواتها في سوريا بغية دعم حليفها الأسد، وذلك بطريقتين :
الطريقة الأولى تتمثل في توفير معدات عسكرية أكثر حداثة وقد وفت روسيا بهذا المطلب على نحو جيد.
والطريقة الثانية تكمن في تدخل مباشر، وذلك عبر عمليات قصف جوي ضد مختلف الإرهابيين من داعشيين وغيرهم. وتفترض روسيا أنه بهذه الإجراءات الجديدة يمكن « تعويض » فقدان القوات المسلحة السورية للعديد من الخسائر المادية والبشرية منذ عام 2011، وإمكانية امتلاكها من جديد تفوقاً ملحوظا في مواجهة أعدائها.
وبالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء « مركز معلومات مشترك » في بغداد بمبادرة من روسيا مع سوريا وإيران والعراق، بهدف تنسيق العمليات ضد ما يسمى ﺑ« الدولة الإسلامية ».
هذا ومن الناحية العملية، شنت روسيا خلال الأيام المنصرمة، العشرات من الغارات الجوية من قواعد تم إنشاؤها على الأراضي السورية، كما نشرت قوة مشاة بحرية صغيرة في القواعد الروسية التي تنقض منها الطائرات والحوامات الحربية، وذلك فضلاً عن سفن أسطولها الحربي المتواجدة في البحر الأسود وفي المياه الإقليمية السورية.
من خلال هذه التطورات ينبغي إدراك الدوافع الحقيقية، ونوايا القوى المتواجدة في صدام عسكري، وذلك مع تجاوز كافة الحجج، كحجة : « الحرب على الإرهاب » أو « الأسباب الإنسانية »، أو إذا ما كان القصف جارياً بموافقة الحكومة المحلية أو الأمم المتحدة مما يعبر عن تناغمه مع القانون الدولي. ولنذكِّر هنا أن عمليات القصف الجوي لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، كانت قد جرت بموافقة الأمم المتحدة. وفي المحصلة، يجب علينا أن ننظر إلى ما وراء « الظاهر »، لمعرفة الدوافع الحقيقية.
إن تدخلات الامبرياليين التي تجري في هذه المنطقة، تحمل طابع الربح الرأسمالي وأرباح الاحتكارات والمنافسة التي لا ترحم، بين الإمبرياليين حول اقتسام المواد الأولية، وطرق وخطوط أنابيب نقلها وحصص أسواقها. وعلاوة على ذلك، فإن هذا هو ما تشهد به « السلسلة » الطويلة للتدخلات الامبريالية الجارية في السنوات الأخيرة.
واضح إذن سعي روسيا لدعم النظام السوري بأي شكل من الأشكال من أجل استيلاء احتكاراتها هي على ثروات البلاد، وليس الاحتكارات الأوروأطلسية، بالتعاون مع الطبقة البرجوازية المحلية التي يعبر عنها نظام الأسد. وتستخدم في هذا الصدد ذريعة « مكافحة الإرهاب » وحل « القضايا الإنسانية » لاكتساب شرعية التدخل. وفي نفس الوقت، يشكل « رهان » روسيا الرأسمالية في الحفاظ على مواقعها في سوريا، نوعاً من« الضمانات » لمحاولاتها تعزيز تغلغل الرأسمال الروسي في بلدان المنطقة.
تتمثل الخلفية التي تجري المواجهة الإمبريالية البينية فوقها في سوريا بعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وبكيفية اقتسام الثروات الطبيعية التي ينتجها العمال. وهكذا، تتركز المواجهة بين قوى امبريالية عملاقة، وهو ما يعني وجود تسويات بين هذه القوى من خلال العديد من السيناريوهات.
فعلى سبيل المثال، لا يستبعد سيناريو اختيار الولايات المتحدة وحلفائها لتكتيكات « الاستنزاف » الاقتصادي طويل المدى لروسيا، وكذا إنهاكها سياسيا وعسكرياً، في سوريا وشرق أوكرانيا على حد سواء، مع خلق « جروح » إضافية أخرى لها، في آسيا الوسطى والقوقاز، الخ..
وأيضا يمكن احتمال التدخل العسكري المفتوح لجميع القوى الأجنبية في سوريا، مع تحويل أجزائها إلى محميات خلال اقتسامها.
ولا يمكن استبعاد، حتى سيناريو حل توافقي مؤقت للقوى المتورطة، عن طريق استبدال الأسد واستخدام قوات المعارضة « المعتدلة »، وهو السيناريو الذي يبدو الآن احتمالاً صعباً ولكنه احتمال ممكن.
إن مسؤوليات النظام عندنا كبيرة. وعلى الرغم من انه يرغب مظهريا أن تتميز مواقفه عن غيرها من مواقف البلدان العربية الرجعية بإعلان حيادها، الذي هو في الحقيقة انحياز للإمبريالية والمتورطين معها، إلا أنها في النهاية على استعداد لدفع البلاد في « بركة ليس لها قرار » لهذه التناقضات البرجوازية البينية، ولمخططات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
إننا نعني هنا التنازل عن منابع بترولية لصالح الشركات متعددة الجنسيات الإمبريالية، ولصالح خلق قواعد عسكرية حدودية وإمكانية تدخل محتمل في شؤون الجيران في أفريقيا.
إننا نحن الشيوعيين نعارض هذه الخيارات والمخططات الإمبريالية والبرجوازية في البلاد التي يخدمها نظام الحكم وهو - على الرغم من خشية الإقدام على مثل هذه المحاولة- على استعداد لدفع البلاد نحو حرب إمبريالية بذريعة « مكافحة الإرهاب ». كما أننا نعارض الحرب الإمبريالية، وندعو إلى تنظيم نضال العمال والشعب ضد توريط البلاد في هذه الحرب أو التدخلات الإمبريالية التي لاناقة لهما فيها ولا جمل. ونعرب عن تضامننا مع الشيوعيين في سوريا، الذين هم من غير الممكن أن يكونوا غير مبالين بالتدخل الأجنبي الإمبريالي الجاري الآن في بلادهم بغية تقسيمه والاستيلاء على خيراته وإفقار شعبه.
وبإمكان نضال الشعب السوري أن يؤدي إلى نتائج أساسية، في حال ارتباطه بوطن محرر من الرأسماليين ومن جميع الإصطفافات الإمبريالية، وبوطن تحتل فيه الطبقة العاملة موقعا قياديا وتمتلك الثروات التي تنتجها.
حامد ربيع
11 نوفمبر 2015


Navigation

Articles de la rubrique